المدينة الإسلامية : الميثولوجيا التاريخية ، الأصل الإسلامي ، و المعنى المعاصر
جانيت أبو لغد
نُشر النص الأصلي بالإنكليزية في جورنال دراسات الشرق الأوسط
العدد 19 لسنة 1987 – الصفحات 155 : 176


في وقت يعود فيه الاهتمام بالإسلام إلى الواجهة ، يعود معه سؤال المدينة الإسلامية . في عديد من أنحاء العالم العربي ، و خصوصاً في المملكة العربية السعودية كما في سائر دول الخليج ينظر العمرانيون بإجلال لم يكن معهوداً في السابق للنمط التاريخي الذي ميّز بناء مدنهم في الماضي . ذلك النمط الذي عرّف تلك المدن بوصفها “مدناً إسلامية” . و يبحث هؤلاء العمرانيون عن أساليب و طرق لإعادة انتاج ذلك النمط في مدن اليوم . تأثر هؤلاء العمرانيون في نظرتهم هذه ، بقصد أو بغير قصد ، بأدبيات أكاديمية تم انتاجها بواسطة عدد من المستشرقين ضمن محاولات غربية لوصف المدينة الإسلامية . الهدف من هذا المقال في جزئه الأول هو الوقوف على أصل و نقد عدد من الفرضيات الأساسية لهذه الأدبيات بهدف تفكيك مفهوم المدينة الإسلامية ، ثم لاحقاً يستهدف الجزء الثاني إعادة بناء إطار تحليلي يصل بنا لمفهوم أكثر ديناميكية لعمران المدينة . كذا يتناول الجزء الأخير من المقال مناقشة قصيرة حول إذا كان من الممكن أو المحبذ أن نبني مدناً معاصرة وفق المباديء الإسلامية .

الجزء الأول : إسناد المدينة الإسلامية
تتشابه دراسة التأصيل التاريخي للأحداث و الوقائع بطريقة ما مع تقاليد النقل عن الرسول . إذ تتوقف سلامة المعرفة على سلامة النقل فيما بات يعرف لاحقاً بالعنعنة . فسلامة الرواية التاريخية متوقفة على سلامة إسنادها عبر عدد من المصادر . كما يُنظر بعين المفاضلة بين بعض العنعنات و بعضها بحسب تواتر أو انقطاع أسماء الثقاة من الرواة ، فتعرف الحقيقة من تسلسل نسبتها إلى طبقة تلو طبقة منهم . و عليه فإن صحة المعرفة من هذا المنظور مكفولة بقدر سلامة تسلسل إسنادها .
يتناول الجزء الأول من هذا المقال معايير قوة الإسناد و تسلسل التأصيل و كيفية بناء المعرفة في دراسات الاستشراق . الفرضية الأساسية هنا هي أن مفهوم “المدينة الإسلامية” قد تم بناؤه عبر سلسلة من المصادر الأكاديمية الغربية المعتبرة ، التي استندت في روايتها إلى عينة محدودة و غير ممثلة للعالم العربي في فترة ما قبل الحداثة عشية وصول قوى الاستعمار \ التغريب . بل و أكثر من هذا ، نقلت تلك المصادر الغربية داخلياً عن بعضها ما أوحى بوجود إسناد متواتر ، و هو ما أود أن أكشف عنه في هذا المقال .
واحدة من أوائل المحاولات لصياغة مفهوم شامل للمدينة الإسلامية عبر إطار من الخصائص المميزة – على الأقل من حيث كونه مصدر متكرر ستستقي منه دراسات لاحقة – كانت محاولة وليام مارسيه William Marçais في مقاله المنشور عام 1928 بعنوان “الإسلام و الحياة الحضرية” l’islamisme et le vie urbaine . يقدم المقال عدداً من التيمات التي سيتكرر ظهورها مراراً عبر عديد من المناقشات عن المدينة الإسلامية .
التيمة الأولى هي أن الإسلام دين حضري . يدعم مارسيه فرضيته بقوله أن النبي محمد كان ابن الحضر ، و كانت لديه شكوك حول البدو و الأعراب ، حتى أن الكوادر السياسية الأولى لدولة الإسلام في عهد محمد قدموا في أغلبهم من البرجوازية الحضرية التي تعمل بالتجارة ، كما اقتضت طقوس صلاة الجماعة وجود المسجد ، ما جعل من الحياة الحضرية ضرورة إسلامية .
يقدم مارسيه إسناداً لروايته باقتباس من مستشرق آخر هو رينان Ernest Renan . العبارة التي يستند إليها هي أيضاً محض فرضية أخرى . يقول رينان “المسجد كما الكنيس في اليهودية و الكنيسة في المسيحية ، هو بناء حضري قطعاً. الإسلام إذن هو دين مرتبط بالمدن.” يكتسب هذا الاقتباس أهميته تحديداً لتناقضه الذي يدحض السمة الأساسية للمدينة الإسلامية كما يراها مارسيه . فالإسلام بحسب هذا القياس لا يختلف عن اليهودية أو المسيحية من حيث علاقتهما مع الحياة الحضرية . ما ينفي أي حتمية تميز الإسلام بحضريته .
إلا أن مارسيه يعود ليؤكد في نقطة منفصلة أن المدن الجديدة في الإسلام عادة ما تم إنشاؤها بواسطة أسر حاكمة أو قيادات عسكرية حكمت ضمن إطار إسلامي ، ما يرجح أن استخدام مارسيه لصفة الإسلام هنا لا يقتصر على إيمان الفرد بمجموعة من الشرائع و المعتقدات ، بل هو صفة يمكن أن تُطلق على المجتمع كذلك ، من حيث كونه إطاراً حاكماً للحياة العامة . فالإسلام في رأي مارسيه هو تنظيم اجتماعي يشمل الحياة عموماً ، بشكل يظهر معه مجتمع الإسلام كإطار تنظيمي يشمل فكر المرء و أفعاله معاً.
أخيراً ، يطرح مارسيه عدداً من العناصر العمرانية المميزة لبنية المدينة الإسلامية ، يقدم من خلالها وصفاً مادياً مكتملاً استند فيه لابن خلدون و عدد من القضاة و رجال الدين . فالمدينة الإسلامية من وجهة نظره ينبغي أن تحتوي على : مسجد جامع و سوق ، ربما ملحقين ببعضهما في بعض الحالات ، كما تحتوي على حمام لتجهيز المصلين لصلاة الجمعة .
لكن بالعودة لرينان ، سنجد كذلك أنه في عصر امتلاك الكنيسة للسلطتين الروحية و الزمانية ، ارتبط بناء الكاتدرائية في أوروبا الوسيطة بوجود ساحة السوق في مقابلها . ما ينفي مرة أخرى أي خصوصية مفهومية للمدينة الإسلامية تميّزها عن سائر المدن التي عاصرتها في أديان أخرى .
نجد أفكار ويليام مارسيه ذاتها مضمّنة في مقالين آخرين لأخيه المستشرق جورج مارسيه Georges Marçais ، الأولى بعنوان “العمران الإسلامي” l’urbanisme musulman و الثانية بعنوان “تصميم المدن في الإسلام” la conception des villes dans l’islam . يشكل المقال الأول على وجه الخصوص حلقة مهمة في تسلسل الإسناد الذي سيلجأ إليه اللاحقون . يبدأ المقال بتكرار لفرضية ويليام مارسيه حول كيف استطاع مجموعة من البدو الرحل أن يؤسسوا ديناً حضرياً يقوم فيه المسجد بدور المفاعل الذي ينتج المدينة . يتبعه بعد ذاك حديث عن أهمية السوق في تشكيل ملامح المدينة المسلمة . إلا أن جورج مارسيه يضيف لاحقاً وصفاً لمورفولوجية تلك المدينة . فيفرق بين الأحياء السكنية و غير و السكنية ، حيث تقسم الأحياء السكنية وفق الانتماء العرقي لسكانها ، و يصف تنظيم الأسواق لافتاً إلى أنها تتبع نمطاً هرميا. و أود هنا أن أورد جانباً من الوصف الذي يقدمه مارسيه ، و الذي بالرغم من استطالته إلا أنه سيظهر مراراً و تكراراً في الأدبيات اللاحقة إما بنصه أو بمعناه:


و كما قلت سابقاً ، المسجد الجامع قلب المدينة ، فهو المركز السياسي القديم ، كما أنه المركز الديني و الثقافي ، حيث يتلقى طلبة العلوم دروسهم . فالمسجد كمركز ديني ، يجذب حوله سوق لباعة الأغراض الدينية ، و سوق للشموع ، و آخر للعطور . و المسجد كمركز ثقافي ، يجذب حوله أيضاً المكتبات التي تجذب بدورها محال تجليد الكتب و باعة الجلود و صناع البابوش (صنف من النعال يستخدم في بلاد المغرب العربي : المترجم) و الذين يشغلون مكاناً هاماً في حياة المدينة الإسلامية . المكون الرئيسي للمدينة هو السوق الكبير ، وهو في واقع الأمر مجموعة من الأسواق المتصلة التي تحمل اسماً غامضاً : قيسارية . و القيسارية […] هي مكان آمن محاط بالجدران ، حيث يأتي التجار الأجانب لعرض بضاعتهم من الأقمشة الأوروبية . وتقع القيسارية بمكان غير بعيد عن المسجد الجامع ، فهي كما في فاس و مراكش على سبيل المثال ، تضطلع بدور المركز الحيوي للنشاط الاقتصادي للمدينة . و خلف تجار الأقمشة ، يقع سوق الصاغة ، و من بعده سوق الشاشية (القبعات المغربية : المترجم) ، يليه صناع أثاث المطابخ و أدوات المائدة … وصولاً لسوق الحدادين . و منها نصل إلى بوابات المدينة حيث يمكننا أن نرى توافد القوافل … و مستلزمات الباعة الآتية من الريف … و بمحاذاة أطراف المدينة نجد الصباغين و الدباغين ، بينما يقع الفخارين بالكاد على أقصى طرف في المدينة .


مدينة إسلامية أم مدينة مغربية؟
يبدو جلياً من الاقتباس السابق أن كل الملاحظات التي استخدمها مارسيه في مقاله قادمة حصراً من المغرب العربي . لاحظ مثلاً إشارات مثل البابوش و الشاشيّة و القيسارية ، و هي كلها اصطلاحات مغربية غير شائعة في مناطق أخرى من العالم الإسلامي . لاحظ أيضاً الإشارة لتجار الأقمشة الأوروبية و التي تبدو معاصرة نسبياً عما يفترض أنه وصف للمدينة الإسلامية التاريخية .
تشرح هذه المقالات إذن الخصائص المادية لبعض المدن في المغرب العربي كما رآها مارسيه في حينه ، دون تركيز واضح على التنظيم الاجتماعي المصاحب لعمران تلك المدن ، و دون أدنى بحث عن الأسباب التي تقف وراء تشكّل تلك المدن بهذا الشكل تحديداً ، و هي المهمة التي سيضطلع بها لاحقاً روبير برونشفيغ Robert Brunschvig في مقال كثير الاقتباس أيضاً بعنوان “العمران القروسطي و الشريعة الإسلامية” urbanisme médiéval et droit musulman .
في هذا المقال الهام ، يقترح برونشفيغ أن هذه الخصائص تعود في واقع الحال لعدد من التشريعات التي تم تطويرها عبر أجيال من القضاة إلى أن تم ترسخت على الأرض في صورة نمط عمراني يشمل مدن العالم الإسلامي . و يلجأ برونشفيغ في إسناد تحليله إلى الباحث الألماني أوتو شبيز Otto Spies ، و الذي قدم في وقت سابق دراسة حول حقوق الجار في الفقه الإسلامي . إلا أن برونشفيغ انتقد شبيز لاستناده على آراء الشافعية وحدهم دون المالكية ، بالرغم من أن أحد أهم أعمال ابن الإمام (و هو فقيه مالكي ولد في القرن العاشر في طليطلة و استقر به الحال في قرطبة قبل أن يهجرها إلى القيروان) كان قد تم ترجمته بالفعل إلى الفرنسية وقتذاك . يعتمد برونشفيغ في إسناده على مصدر آخر يعود إلى القرن الرابع عشر و هو ابن الرامي ، و هو تونسي اشتغل بالعمارة قبل أن يرتقى إلى منصب كبير القضاة .
إذن اعتمد برونشفيغ ، باستثناء إشارته لأبحاث شبيز ، على مصادر يعود أغلبها إلى المغرب العربي أيضاً . و هو في ذلك ينهل من نفس المصدر الذي أسس عليه الأخوان مارسيه فرضياتهما عن المدينة الإسلامية . و هي نقطة سنعود إليها لاحقاً بعد أن نتتبع مساراً آخر في تطور مفهوم المدينة الإسلامية .
و لننظر الآن إلى تطور الإسناد الأول في مقال غوستاف فون غرونباوم Gustav von Grunebaum الصادر في العام 1955 بعنوان “بنية المدينة المسلمة” The Structure of the Muslim town و الذي شكل تغيراً ملحوظاً بالمقارنة بحديثه المقتضب عن دور المدينة في الإسلام في كتابه الأول “الإسلام القروسطي” Medieval Islam . يقول فون غرونباوم “أن الإسلام منذ بداياته الأولى ، نشأ كدين يحابي المدينة و بزغت دعوته في كوكبة من سكان المدن.” و يذهب إلى أبعد من هذا حين ينوه على أنه في المدينة فقط ، بمسجدها الجامع ، بأسواقها ، و ربما أيضاً بحماماتها العامة أمكن للفروض الدينية أن تتحقق على الوجه الأكمل . و في حين يستند فون غرونباوم في متن الكتاب على أحكام القرآن لتبرير فرضيته ، نجده يحيل القاريء في هوامشه (و التي تظهر في الصفحة 174 من الكتاب) إلى نفس مقال ويليام مارسيه الشهير الصادر عام 1928 . كما نجده يكرر بضع فقرات من جورج مارسيه بمعناها كما هنا :


“بالقرب من المسجد كمركز ديني نجد باعة المستلزمات الدينية ، و سوق الشموع و باعة العطور و الراوئح . و بالقرب من المسجد كمركز قكري نجد سوق الكتب ، و محلات تجليد الكتب يجاورها سوق الجلود و صانعي النعال “
و يكمل فون غرونباوم إعادة صياغة مارسيه مرة أخرى فيقول :
“و مع تلاحم هذه الأسواق ندلف إلى قاعات تجار المنسوجات ، المسماه بالقيسارية ، و هو الجزء الوحيد من السوق الذي عادة ما يعلوه سقف . و هو لذلك الجزء الأكثر أماناً في السوق إذ يمكن فيه حفظ و تداول البضائع الثمينة غير الأقمشة . و بجانب باعة الأقمشة نجد النجارين و باعة الأقفال و المفاتيح و النحاسين و على مبعدة من المركز نجد الحدادين . وصولاً إلى بوابات المدينة حيث نجد … سوق السروجية … بعدها نجد باعة الخضروات و المؤن … و على أطراف المدينة نجد صناعات مثل … الصباغة و الدباغة و على أقصى طرف المدينة نجد الفخارين “


يعضد فون غرونباوم إسناده لهذه الفقرة بالكامل بإشارة لمقال جورج مارسيه الصادر في 1940 . ما يلفت الانتباه هنا هو أنه اكتفى بالاقتباس دون أن يعلق أو يضيف ، واضعاً بذلك وصف مارسيه لفاس و الرباط و تونس ضمن تعميماته عن وصف البنية المادية المدينة الإسلامية بشكل عام .
و فيما يخص التنظيم الاجتماعي للمدينة الإسلامية ، اكتفى غرونباوم باقتباس دون تقييم لاستنتاجات من سبقوه من المستشرقين . كما يتفق مع مارسيه في أن المدن الإسلامية على عكس مثيلاتها الأوروبية افتقدت للتنظيم البلدي . كما يحذو حذوه في القول بأن غياب الإدارة البلدية تم الاستعاضة عنها بتقسيم المدينة إلى أحياء موزعة عرقياً يتولى إدارة كل منها شيخ من الطائفة التي تسكنها . بالإضافة لذلك فإنه يقبل بطرح لوي ماسينيون Louis Masignon القائل بأن التنظيم الاجتماعي للمدينة تم صياغته عبر تقاطعات التنظيمات شبه النقابية للحرفيين و التجار ، و هو طرح رفضه المستشرقون لاحقا. أخيراً يصف فون غرونباوم كيف أسهم التشريع الإسلامي في تشكيل المدينة ، مقتبساً عن برونشفيغ ، و ناقلاً عن مصادر يعود أغلبها للمغرب العربي كما أسلفنا .

كل المصادر تعود إلى فاس!
كما رأينا فإنه حتى مع هذه المعالجة المقتضبة ، يبدو أن اصطلاح المدينة الإسلامية كما وصفه غرونباوم في العام 1955 قد تمت صياغته مما اتفق المستشرقون على اعتباره الخصائص المميزة للمدينة الإسلامية ، و التي تستقي مصادرها في أغلب الأحوال من المغرب العربي (باستثناء إشارة وحيدة لسوفاجيه) . و من المدهش أن الفترة بين أقدم مرجع اعتمد عليه فون غرونباوم (1928 : المترجم) و بين مقاله عن المدينة الإسلامية في 1955 ، صدر مرجع واحد على الأقل من تأليف الباحث الفرنسي روجيه لوتورنو Roger LeTourneau المتخصص في شئون المغرب العربي ، إلا أن فون غرونباوم لم يلتفت إليه مطلقاً ، و هو أمر عصي على التفسير .
في العام 1949 أصدر لوتورنو كتابه الأول عن مدينة فاس بعنوان “فاس قبل الحماية الفرنسية : دراسة اقتصادية و اجتماعية للمدينة في المغرب الإسلامي” Fès avant le protectorat: étude économique et sociale d’une ville de l’occident musulman  . تنبع أهمية الكتاب من كونه مرجعاً مركزياً لثاني محاولة مبدأية لوصف البنية المادية المدينة الإسلامية ، تلك التي قدمها كارلتون كوون Carlton Coon في كتاب بعنوان “قافلة”Caravan  و الذي يعد واحداً من أكثر الأدبيات الغربية تأثيراً في دراسة الشرق الأوسط . صدر كتاب كوون في العام 1951 ، و يعتمد فصل كامل من الكتاب بعنوان “البلدة و المدينة” Town and City على مدينة فاس كحالة دراسية ، و التي تعتمد كتاب لوتورنو الصادر في 1949 كمصدرها الأول . فمن أصل 33 صفحة هي متن هذا الفصل ، تتكرر الإشارة إلى فاس في 28 منها ، و على الرغم من ذلك يبدو كوون واثقاً في تعميم استنتاجاته عن فاس على المدينة الإسلامية ككل .
تظهر فاس مرة أخرى في كتاب لوتورنو الثاني “الحياة اليومية في فاس في العام 1900” le vie quotidienne à Fès en 1900 و في ملخصه الآخر “المدن الإسلامية في شمال إفريقيا” les villes musulmanes de l’Afrique de Nord و الذي يعتمد في أغلبه على تعميمات مستمدة من فاس كحالة دراسية . أحد الانطباعات اللافتة التي يخرج بها المرء لدى إعادة قراءة لوتورنو هو الإطناب الذي يخيم على مجمل أعماله . فوصف فاس في “الحياة اليومية في فاس في العام 1900” يعود مرة أخرى كما هو في كتاب “فاس في عصر بني مرين” Fez in the age of the Marinides ، و التعميمات التي استخدمها لوصف مدن شمال إفريقيا تحمل أيضاً تشابهاً مريباً مع الأوصاف الواردة لفاس في العام 1900 و في العصور الوسطى!
يستمر التركيز على المغرب العربي في أعمال جاك بيرك Jacques Berque ، خصوصاً في كتابه الأكثر اقتباساً “المدن المخططة و المدن التلقائية” médinas, villesneuves et bidonvilles . من غير المحتمل أن يعيد المرء صياغة شاعرية بيرك ، إلا أنه بالبحث فيما وراء العبارات المنمقة سنجد و لا شك تعلقاً بذات الأوصاف التي ذكرناها سابقاً. فنجده يطرح في صفحتي 12 و 13 سؤالاً حول ما الذي يجعل من المدينة مدينة في المغرب؟ و في معرض إجابته عن هذا السؤال يحيلنا مرة أخرى لمقال ويليام مارسيه – الذي كان قد مر على صدوره 30 عاماً حين كتب بيرك كتابه – فيحدد 3 متطلبات هي المسجد الجامع ، السوق ، و الحمام العام! و إذا ما حللنا هذا الاستنتاج على طريقة بيرك سنجده يعرف المدينة الإسلامية وظيفياً بكونها مكان للشهادة و مكان للتبادل ، و هي طريقة أخرى للقول بأن المدينة الإسلامية هي المكان الذي يجد فيه المرء المسجد و السوق .

دراسات سوفاجيه عن حلب و دمشق 
إذا كان الإسناد الأول لتعريف المدينة الإسلامية في الدراسات التي سبق ذكرها يبدأ حصراً من المغرب العربي و خصوصاً مدينة فاس ، فإن نقطة البدء للإسناد الثاني تأتي من سورية ، استناداً على دراسات جون سوفاجيه Jean Sauvaget على حلب ودمشق . و تتمتع دراسات سوفاجيه بتأثير بالغ على تطور الصورة الذهنية للمدينة الإسلامية ، إلى الحد الذي عادة ما يتم معه إغفال التناقض القائم بين استنتاجاته عن صعود المدينة الإسلامية من رحم تحولات المدينة البيزنطية ، و بين مفهوم المدينة الإسلامية المأخوذ من دراسات المغرب العربي و من مدينة فاس على وجه الخصوص ، بشكل يبدو معه الباحثون كما لو كانوا مقتنعين بوجهتي النظر معاً ، على تناقضهما ، في نفس الآن .
في الفترة بين القرن الثالث عشر و القرن السادس عشر اختفى العديد من الفروق المميزة بين المدن التي بناها السلاطين و الأمراء و بين المدن التي كانت قائمة بالفعل في العالم العربي آنذاك . و هي ذات الفترة التي تغطيها دراسة إيرا لابيدوس Ira Lapidus و التي أصبحت فيما بعد من الكلاسيكيات ، بغض النظر عن العنوان المبالغ فيه للدراسة : “المدن الإسلامية في العصور الوسطى المتأخرة” Muslim Cities in the later Middle Ages. و قد كان لابيدوس قد قدمها في الأصل كرسالة لنيل الدكتوراه في هارفارد قبل أن تراجع للنشر في العام 1967 . في مقدمة الدراسة يحجم لابيدوس عن مساءلة فرضية ماكس فيبر المتعلقة بالفروق بين المدن الأوروبية و الآسيوية ، على العكس ، يقول لابيدوس أنه
“سيقتصر في كتابه على وصف عدد من المدن الإسلامية . إذ يركز الكتاب على دمشق و حلب في فترة حكم المماليك بين 1250 – 1517 ، مع الاستعانة بدراسات عن العاصمة المملوكية القاهرة.” و بالرغم من هذا الإحجام ، تطرح المقدمة نفسها سؤالاً عاماً حول كيفية إدارة المدن الإسلامية ، يجيب عنه لابيدوس لاحقاً بشكل غائم ذاكراً عدد من العلاقات التي تشكل في رأيه نظام الإدارة في المدن الإسلامية . و ستتكرر اقتباسات المستشرقين من هذه الدراسة فيما بعد للتدليل على العكس ، و هو ما يرجح اعتماد الباحثين على عنوان الدراسة كمصدر للمصداقية أكثر من محتواها .
كما رأينا فإن إسناد المدينة الإسلامية في الحالة الأولى يعتمد بشكل حصري على دراسات المستشرقين الفرنسيين في المغرب العربي ، و بشكل خاص في مدينة فاس ، كما الحال في الإسناد الثاني الذي يعتمد على حلب و دمشق كما عاينهما سوفاجيه و حللهما لابيدوس . و في كلتا الحالتين تم الاعتماد على مجموعة من التعليقات و الأوصاف الاعتباطية الخاصة بأماكن و أزمان معينة لتكوين رواية متسقة ، إلا إن هذه الرواية حال تحولها إلى نص بحثي تكتسب مكانة مجردة ما يجعلها قابلة للتعميم . و بتكرار اقتباس الرواية و ورودها في الدراسات المختلفة يصبح إسنادها أكثر مناعة و تصديقاً. و مع الوقت ، تسقط حقيقة أن هذه الرواية العامة إنما تم تأسيسها على أوصاف تخص مدن بعينها ، كما تسقط حقيقة أن الرواية المزعومة تنسب شكل المدينة إلى عدد معين من الأحكام الدينية التي تم دراستها دون غيرها ، و تسقط حقيقة أن المدينة الإسلامية هي كيان حي ، و أن النظام السياسي و الاجتماعي لهذه المدينة ينمو و يتطور عبر الزمن ، و أن الأوصاف الواردة لدمشق و حلب من القرن الرابع عشر تحت الحكم المملوكي لا يمكن بأي حال أن تقدم تفسيراً مقنعاً لكيفية إدارة المدن الإسلامية على وجه التعميم!

المدينة الإسلامية بعين النقد
قي كتابي السابق عن القاهرة ، وقعت فريسة لهذا الفخ الذي نصبه المستشرقون ، فقبلت سلطة استنتاجاتهم عن طبيعة المدينة الإسلامية ، إذ بدا لي آنذاك الصرح الضخم الذي شيدوه عبر السنين قوياً و منيعاً على النقد . قبل أن تتكشف لي رويداً مؤامرة القص و اللصق و ينزاح عني ذلك الوهم .
و يقتضي الحال هنا أن أوجه عناية القاريء إلى كتاب “المدينة الإسلامية” Islamic City من إعداد ألبرت حوراني و صموئيل ستيرن Albert Hourani and Stern و الذي يقدم بداية عقلانية لنقد الدراسات السابقة . فيوضح حوراني في مقدمته أن شمال إفريقيا كانت مصدراً لعديد من الأمثلة التي استمد منها المستشرقون تعميماتهم . و ثانياً فإن مقالات ستيرن و كاهان الواردة في الكتاب تعد رفضاً واضحاً للدراسات التقليدية التي تمت على موضوع روابط الحرف و الصناع و التي لم توجد حقيقة في مدن العالم الإسلامي . وثالثاً فإن مقالات صالح أحمد العلي و يعقوب لاسنر على المدينة الدائرية (المدينة التي تأسست عليها بغداد : المترجم) كمثال على المدن المخططة في الإسلام ، لا تشبه نمط المدن المخططة الذي تعتمده الدراسة بأي حال .
منذ ذلك الحين ، قمنا بإضافة عدد من الدراسات الجديدة على المدن العربية و بضع من الكتب و كثير من المقالات صدرت بعناوين مختلفة تشير كلها للمدينة الإسلامية . إلا أننا لم نصبح أكثر تأكداً مما سبق .ما أوضحه ديل أيكلمان في مقاله “هل هناك مدينة إسلامية؟” إلا أنه لم يتضح قدر الكفاية إلا في مقال آخر لأيكلمان و كينيث براون .
الحقيقة أن أغلب الدراسات في هذا الشأن لازال يركز على مدينة واحدة ليستنتج منها تعميمات على سائر المدن بينما يغيب السؤال الأساسي : لماذا نفترض أن المدن الإسلامية ينبغي أن تتشابه؟ و إذا تشابهت ، فما هي الطريقة التي ينبغي أن يكون عليها هذا التشابه؟ و هو السؤال الذي سأخصص له الجزء الثاني من هذا المقال .
إلا أنه و قبل الخوض في هذا ، أود أن أعرج على قصة شخصية من زيارتي للهند في أواخر السبعينات بحثاً عن – أملاً في ألا أعثر على – المدينة الإسلامية . و لشدة دهشتي ، كان من غير العسير تمييز الأحياء المسلمة عن الأحياء الهندوسية ، حتى أن بعض الإشارات التلقائية حملتني على تمييز ثمة نمط ما . مثلاً : نسبة الذكور إلى الإناث في الأماكن العامة كانت دائماً أعلى في الأحياء المسلمة عنها في الأحياء الهندوسية ، محال الجزارة و غيرها من الأنشطة المتعلقة بالحيوانات كانت حصرياً في الأحياء المسلمة ، أيضاً كانت الأحياء المسلمة أكثر ضجيجاً و حيوية ، فيم كان صوت الآذان محض جزء صغير من هذا الضجيج .
تجلت هذه السمات بوضوح في الفضاء العام للمدينة ، إلا أن هذا الوضوح ما لبث أن تراجع في الفضاءات الخاصة و شبه الخاصة و التي بدت بحواريها الضيقة و أفنية منازلها ، في المرات القليلة التي أتيح لي فيها الدخول ، أقل اختلافاً بل و ربما إلى الحد الذي لا يمكن معه تمييز الأحياء الهندوسية الفقيرة عن مثيلاتها المسلمة . إلا أن السلوك العام المتسم بالحرص خارج حيز السكن كان دوماً أعلى في الأحياء المسلمة . قد يعود تفسير ذلك لاختلاف أحكام الحجاب بين الطائفتين ، إذ تتحجب المرأة الهندوسية فقط أمام الأقارب (خصوصاً عائلة الزوج) بينما تتحجب المرأة المسلمة فقط أمام الأغراب من خارج الأسرة . ما يترتب عليه ترسيم الحدود بشكل واضح بين داخل و خارج المنزل في حالة الإسلام . بشكل عام بدا أن الأنماط الاجتماعية المتعلقة بالفصل الجندري أو بالممارسات الغذائية المرتبطة بالدين هي ما يميز بين أحياء الطائفتين في المدن المختلطة .
هذا بالتأكيد لا يمثل اختباراً لصحة الفرضية التي أحاول إثباتها ، لذا حاولت أن أقارن النمط العمراني للمدن التي أنشأها الهندوس بمقابله في المدن التي أنشأها المسلمون . فوجدت أن المدن التي أنشأها المسلمون أو أدخلوا عليها تعديلات كبيرة تبدو فضاءاتها و شوارعها منغلقة و متعرجة بعكس المدن ذات الأصل الهندوسي التي تبدو فضاءاتها منتظمة و ممتدة في خطوط مستقيمة لا تعيقها بروزات و تعديات المباني و تتحقق الخصوصية فيها عن طريق بيوت ذات أفنية بدلاً من التعرجات و الحارات المسدودة في المدن المسلمة . ما أوضح لي أن الاختلاف في بنية المدينة في الأمثلة التي تناولتها قد لا يكون بسبب الاختلافات الدينية بالضرورة ، بقدر ما يعود لنمط تملك الأراضي و طبيعة التشريعات المنظمة لها في كل منطقة .

المدينة الإسلامية المثالية
في اختبار ثان للفرضية ، بحثت عن المدينة الإسلامية في الأدبيات القادمة من أطراف العالم الإسلامي . ففي أفريقيا جنوب الصحراء ، يرى عدد من الباحثين وجود اختلافات بين المدن التي يسكنها مسلمون و بين غيرها ، إذ تتسم مدن المسلمين بضيق و تعقيد نظام الطرق ، كما تحتوي على بيوت ذات أفنية ، و يفصل سكانها بين الرجال و النساء في الأماكن العامة . كذلك يقترح السكان المحليون في بعض المدن الآسيوية المسلمة في إندونيسيا و الصين أن شبكة طرق تبدو مختلفة في المدن المسلمة ، كما تتسم بالضجيج و بشعور عام بتواجد الإسلام في الفضاءات العامة .
يبدو إذن للوهلة الأولى أن للمدينة الإسلامية سمات تميزها ، لكن حين يتناول المرء هذه الحالات بالدراسة ، سيتضح و لا شك أن ما يميز المدينة الإسلامية يعدو عن كونه نمطاً شكلياً أو طابعاً معمارياً إلى ما هو أكثر عمقاً ، إذ ستبدو حينها الأنماط المعمارية المحلية بلا شك أكثر بعداً عن تلك التي بدمشق و فاس .
فما هو إذن ذلك الشيء الذي يميز المدينة الإسلامية ؟ من الصعب أن نقول على وجه التحديد ، لكن من الواضح أنه بالتأكيد ليس شكلها و لا عناصرها المعمارية . فكما تقدم يمكن للقاريء أن يرى أن المسشرقين في بحثهم عن هذا الشيء ركزوا على عدد من القوى الفريدة التي تقاطعت في ظرف تاريخي و مكاني معين لإنتاج مدن بعينها ، استخدمها أولئك لاحقاً كحالات نموذجية يمكن مقارنتها و دمجها و القياس عليها لإنتاج نموذج مثالي أوحد يمكن تعميمه . هذا النموذج المثالي في رأيهم كان (لازال؟) هو المدينة الإسلامية . ليس فقط الباحثون في الماضي ، بل أيضاً المسلمون في الحاضر ينقبون عن المدينة الإسلامية في الممارسات الغابرة للعمارة و العمران بحثاً عن طرق لإعادة إنتاجها .
إلا أن كل هؤلاء ، سواء أكاديميون أو مهنيون ، قد فاتهم أن يدركوا عبث مساعيهم . فالمدينة نتاج لعوامل عديدة ، و الأشكال المعمارية إنما تنتج عن تقاطع فريد لتلك العوامل في ظرف معين . شكل المدينة في أي لحظة من تاريخها هو صورة فوتوغرافية مسطحة تخفي وراءها نظاماً معقداً للبناء و الهدم و التنظيم و إعادة التنظيم . السؤال الذي ينبغي أن نسأله لأنفسنا هو : أي من هذه القوى و التقاطعات أنتج مدينة إسلامية مثالية؟

يتبع ،،،

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s