العمارة الجديدة (أو نحو عمارة تشكيلية)
مانيفيستو التشكيلية الجديدة لمعماريي حركة الدستايل
ثيو فان دوسبرخ 
نُشر النص الأصلي بالهولندية في مجلة De Stijl عدد أيار – مايو 1924


تقديم:
شكل معماريو الدستايل De Stijl سوياً مع معماريي البنيوية السوفييتية Soviet Constructivism طليعة الحداثة المعمارية في أوائل القرن العشرين . و على الرغم من أن الجماعتين لم تستمرا لوقت طويل إلا أن تأثيرهما على المعماريين اللاحقين مستمر إلى يومنا هذا . فحتى بالمطالعة السريعة لأعمال مشاهير المعاصرين مثل ريم كولهاس Rem Koolhaas أو زها حديد Zaha Hadid ، يمكننا أن نلمس الأثر الباقي للمفاهيم التأسيسية التي طورتها الجماعتان . و يلخص هذا المقال نظرية فان دوسبرخ عن العمارة و التي عكف على تطويرها بين عامي 1916 – 1923 عبر عدد من المانيفستوات و المقالات ، تم نشر أغلبها بالهولندية في مجلة تحمل نفس اسم المجموعة : دستايل ، أثناء عمله بالتدريس بين مدينتي فايمار و برلين . و يعد هذا المقال بمثابة المانيفستو الأهم لاتجاه التشكيلية الجديدة Neo-Plasticism في العمارة .
في أواخر العام 1923 استضافت العاصمة الفرنسية معرضاً ضخماً لحركة الدستايل في غالري دي لوفور مودرن galerie de l’effort moderne و لقي نجاحاً ملحوظاً ، ما شجع فان دوسبرخ لاحقاً على تقديم نظريته للمشهد الأكاديمي العالمي باللغة الإنكليزية عام 1924 تحت عنوان “نحو عمارة تشكيلية” .
نقدم هذا العمل لقراء العربية للمرة الأولى . و قد راعينا في الترجمة الحفاظ على الروح الهجومية المقتضبة للنص الأصلي بالهولندية المنشور تحت عنوان “العمارة الجديدة” في أيار – مايو 1924 ، بالإضافة إلى عدد من الترجمات الإنكليزية كترجمة فان دوسبرخ نفسه المنشورة تحت عنوان “نحو عمارة تشكيلية” في آب – أغسطس من العام نفسه ، و ترجمة هانس يافه عن الهولندية في 1971 . و قد أضفنا بعض الحواشي للإضاءة على السياق التاريخي و النظري لبعض النقاط الواردة في النص . – المترجم –


1 – الشكل. إن أساس التطور الصحي للعمارة ، و الفنون بشكل عام ، هو الإطاحة بكافة المفاهيم التي تتناول الشكل كوحدة ثابتة للطابع المعماري . بدلاً من الاعتماد السائد على الطرز السابقة كنماذج يتم تقليدها ، يجب أن تطرح مسألة العمارة للبحث كلياً من جديد .

حاشية: بتقديمه لكلمة “الشكل” فقط كجملة تامة في ذاتها ، يبدأ فان دوسبرخ المانيفيستو الذي سيغير مفهومنا عن العمارة إلى الأبد . ظلت أزمة مركزية المعنى و سيطرته على الشكل تلاحق المعماريين منذ عصر النهضة إلى أواسط القرن التاسع عشر . فهيمنت الأشكال المتوارثة عن الطرز التاريخية على الإنتاج المعماري بحيث أضحى المعنى أسيراً لهذه الأشكال دون غيرها . وفق هذا المنطق فإن العمود ، على سبيل المثال ، لا يمكن أن يكون عموداً إلا بقدر تجذره في تراث تقليدي من الأعمدة الرومانية التي هي بدورها تطوير عن الأعمدة الإغريقية و هكذا ، و لا يصبح للإبداع المستقبلي معنى إلا بقدر كونه امتداداً لذات التراث .
إلا أنه بفضل الفتوحات العلمية في تقنيات المواد التي واكبت أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ، لم يكن هناك بد من القطيعة مع الماضي . فالشكل هو تعبير مباشر عن المعنى ، ليس كما يسقطه المعماري من خلال تقاليد شكلانية موروثة ، و إنما بحسب تشكل المادة في فضاء التصميم وفق مقتضيات نابعة من الوظيفة . ما يفتح العمارة على الفنون و العلوم الحديثة ، و يتيح فضاءاً أكثر رحابة لتجدد لا ينتهي . فلا أعمدة ، و لا حوائط ، و لا أسقف ، كل المسميات و القوالب انتهت . هناك فقط علاقات تشكيلية بين العناصر المعمارية و بعضها . الشكل بالنسبة لدوسبرخ إذن ، هو جملة مكتملة المعنى تقف في قطيعة مع القوالب النحوية الموروثة . بل إن فان دوسبرخ يضع هذه القطيعة مع اللغة و غيرها من القوالب التي تخضع الشكل لقواعد مسبقة عليه ، كشرط أساسي لصحة العمارة و الفنون . فالشكل هو المبدأ و المنتهى ، و العمارة يجب أن تطرح بشكل كلي كسؤال عن الشكل ، دون النظر إلى الطابع أو النقل عن التراث . – المترجم –


2 – العمارة الجديدة هي عمارة تكوينية ، أي أنها تتألف من عناصر المنشأ بمعناها الأشمل . هذه العناصر – كالوظيفة ، الكتلة ، الزمن ، الفضاء ، الضوء ، اللون ، المادة إلخ . – هي في ذات الوقت عناصر تشكيلية .

حاشية: بعكس النظرة الكلاسيكية التي تتعامل مع العمارة كفن لإخضاع المواد لأشكال مسبقة ، يرى فان دوسبرخ العمارة الجديدة كفن للتأليف الحر باستخدام المادة في الفضاء و الزمن . – المترجم –


3- العمارة الجديدة هي عمارة اقتصادية ، أي أنها توظف تكوينها للعمل بكفاءة دون إسراف في استخدام الوسائل أو المواد .

حاشية: العمارة الجديدة لا تتطلب معرفة مسبقة بالأصول التاريخية لكل طراز ، و لا تتطلب تعليماً مخملياً في المعاهد الملكية لمن يمارسونها ، و لا تتطلب أحجاراً ثمينة لتكسية حوائطها . العمارة الجديدة هي ثورة على المواريث السلطوية بكافة أشكالها . فهي لا تعترف بالـ “أنتيك” و لا ترى نفسها كممارسة جمالية محلية في التاريخ أو المكان . كان طموح فان دوسبرخ و رفاقه هو ممارسة معمارية متحررة من نير التكلّف و الزخرفة . فالعمارة لا توزن بقدر بهرجتها ، و التراث و الجمال كل منهما نسيج حي قيد التشكل طوال الوقت و لا يمكن قصره على مكان أو زمان دون غيرهما . فجوهر الجمال و الغنى قد يكون هو البعد عن التزيد . – المترجم –


4 – العمارة الجديدة هي عمارة وظيفية ، أي أنها تنبع من السياق المحدد للاحتياجات العملية التي تقع ضمن برنامج عمل واضح .

حاشية: التصميم لا يحتاج لأن يكون نبيلاً لكي يكون جيداً ، هو فقط يحتاج لأن يكون ذكياً و كفؤاً . العمارة هي شكل يبرره التعبير المادي عن الوظيفة ، تماماً كما ينبع شكل الدولاب (العجلة) من التعبير المادي عن وظيفته .- المترجم –


5- العمارة الجديدة لا شكل لها لكنها محددة بدقة في ذات الوقت ، فهي ليست خاضعة لنمط شكلاني ثابت للجمال . ليس لها قوالب ، كتلك التي يستعملها صناع الحلوى ، لتصيغ مسطحها الخارجي وفق متطلبات شكلانية صادرة عن الماضي . فعلى العكس من كل الطرز المعمارية السابقة ، لا تعترف العمارة الجديدة بالقوالب المسبقة أو النماذج الأولية .
في هذه العمارة الجديدة ينقسم الفضاء الوظيفي إلى مسطحات مستطيلة تتقاطع دون تفرد أي منها . و بالرغم من أن كل من تلك المسطحات يمتلك تعريفاً واضحاً في علاقته مع المسطحات الأخرى ، إلا أنه يبدو كما لو كان كل منها ممتداً إلى ما لانهاية . تشكل تلك المسطحات معاً نظاماً إحداثياً تقع فيه النقاط على اتساق مع الاتجاهات الأربعة . ما يجلها امتداداً مباشراً للوجود ذاته .


6- العمارة الجديدة تحقق الصرحية monumentality بمعزل عن صغر أو كبر حجم المنشأ. و حيث أن كلمة الصرحية قد أصبحت مبتذلة ، فقد استبدلناها بكلمة التشكيلية plasticity . فكل الأجزاء موجودة فقط بقدر دخولها في علاقات مع باقي أجزاء المنشأ .

حاشية: عادة ما تكتسب البنايات الكلاسيكية عظمتها من ضخامة حجمها و سيمترية تكوينها و تكرار عناصرها ، ما يفترض دوماً في “الصرح” أن يكون ضخماً و متناظراً و مزخرفاً . إلا أن هذا يجعل من الصرح أيضاً تجربة جمالية محدوة . فالحركة حول الصرح هي تجربة جمالية لا جديد فيها ، إذ تعيد التفاصيل تكرار نفسها مرات و مرات ، بنفس الترتيب على اختلاف موضع المشاهد .
يتحدث فان دوسبرخ عن تجربة جمالية تتخطى التكرار . فالعناصر المتقاطعة في تصميم حداثي على سبيل المثال ، تظهر للرائي بأشكال مختلفة عند التحرك حولها . ما يجعل كل لحظة حول المنشأ تجربة جمالية فريدة . و هي قيمة يراها فان دوسبرخ جديرة بأن تحل محل العظمة الصرحية في العمارة الكلاسيكية . – المترجم –


7- لا تعترف العمارة الجديدة بالعناصر المعمارية التابعة أو الأقل شاناً . في العمارة الجديدة تتحرر الأسطح من التراتبية و تفقد تعريفاتها القديمة . فتتفكك العلاقة الشرطية بين الحائط كمسطح مصمت و النافذة كفتحة فيه ، و يصبح كلاهما مسطحين من مواد مختلفة تربطهما علاقة تشكيلية . لا يوجد هنا عنصر فاعل و آخر تابع ، فقط توجد عناصر فاعلة مرتبطة ببعضها في علاقات تشكيلية . العناصر المعمارية كالمسطحات و الخطوط و الكتل تتداخل مع بعضها دون ضبطها بمفاهيم مسبقة (كالحائط و النافذة ، إلخ) .


8- المسقط الأفقي . تحررت العمارة الجديدة من قيود الحوائط ، لتحقق الاتصال بين ما هو داخلي و خارجي . بل إن الحوائط نفسها قد تحررت من كونها محض دعائم لحمل المنشأ ، و النتيجة هو مسقط أفقي جديد منفتح مفارق كلياً للمسقط الكلاسيكي .

حاشية: ميّز الحداثيون بشكل واضح بين الفضاء الداخلي كدالة في الاحتواء ، عادة ما تظھر في صورة نطاق من الاستعمالات يتماهى مع ما هو خارجه من خلال شفافية الزجاج أو انفتاح التكوين ، و بين الإنشاء كدالة تعمل عكس الجاذبية عادة ما تظھر في صورة مجموعة من العناصر التي تمنع السقف من الانھيار. و هو الأمر الذي سيصبغ عمارة القرن العشرين بمفهوم الفضاء space المتماهي مع ما حوله في مقابل المفهوم الكلاسيكي عن الغرفة room التي تحددها الحوائط  وتفصلها العناصر الإنشائية عما سواها .- المترجم –


9- العمارة الجديدة منفتحة . إذ يتكون البناء من فضاء واحد يتم تقسيمه تبعاً للاحتياجات الوظيفية . يتم هذا التقسيم بواسطة مسطحات رأسية فاصلة في الداخل ، و مسطحات رأسية حامية في الخارج . تعمل المسطحات الأولى ، و التي يمكن تحريكها ، على فصل الفضاءات الوظيفية المختلفة داخل البناء . الحوائط القديمة تحولت الآن إلى ما يشبه الألواح المتحركة ، و هو ما يمكن تطبيقه على الأبواب أيضاً. في مرحلة مقبلة يجب أن يختفي المسقط الأفقي تماماً . التكوين ثنائي الأبعاد للمسقط الأفقي سوف يستبدل بحسابات إنشائية دقيقة تضمن توزيع الأحمال على النقاط الأكثر بساطة و قوة في المنشأ ، بحيث تزول الحاجة للهندسة الإقليدية ، مفسحةً المجال لطرائق هندسية جديدة تراعي الأبعاد الأربعة و يمكنها حل المسائل الإنشائية المعقدة بسهولة .

حاشية: لم تقتصر رؤية فان دوسبرخ و معماريي الدستايل على تثوير العمارة كمنتج مادي ، بل عملوا أيضاً على تثوير الوسائط الرسومية المستخدمة في إنتاجها . و ما اعتمادهم على الإسقاط الأكسونومتري بدلاً من المنظور إلا ثورة واحدة ضمن عديد . فالمنظور محدود بنقاط الزوال و خط الأفق و زاوية الرؤية و غيرها من المحددات التي تعود كلها إلى العلاقة الجامدة بين المنظور و الزمن . فالمنظور هو محاكاة للحظة بعينها تم تحنيطها من زاوية رؤية واحدة . الأشياء القريبة من مستوى الصورة هي الأكبر حجماً و الأكثر تفصيلاً و الأشياء الأبعد هي دائماً أصغر و بلا تفاصيل . في المقابل من ذلك يبدو المسقط الأكسونومتري الذي اعتمده معماريو الدستايل خارج الزمن و المكان . فهو لا يعترف بالعمق ، و كل الأشياء مهما قربت أو بعدت تبدو خالية من المشاعر و الرغبات المسبقة . تقع كلها على نفس الدرجة من التفصيل كما لو كانت تطفو فوق ورقة الرسم .
و فيما يبدو كما لو كان نبوؤة سبقت عصرها ، يطرح فان دوسبرخ أمامنا تصوره للفضاء التصميمي المستقبلي ، الذي تختفي فيه الحاجة للهندسة الإقليدية ، ليحل محلها تقنية ما تمكن المعماريين من حساب الشكل وفق الآداء دون الحاجة لرسمها على الورق . و هو ما حدث فعلاً في تسعينات القرن العشرين حين بدأ المعماريون و الإنشائيون باستخدام الحاسوب و برامج المحاكاة و الهندسة التفاضلية لإجراء عمليات حسابية و شكلية معقدة لترجيح الأشكال الأكثر كفاءة للمنشأ .- المترجم –


10- الفضاء و الزمن . لا تعنى العمارة الجديدة بالفضاء فقط ، بل تعنى أيضاً بالزمن . فمن خلال التعامل مع الفضاء و الزمن كمتصلية واحدة سيكتسب الشكل المعماري الخارجي بعداً بلاستيكياً إذ تصبح العمارة ممارسة تشكيلية رباعية الأبعاد تتطور في الفضاء و الزمن معاً .


11- العمارة الجديدة ليست عمارة صندوقية . فهي لا تحاول أن تحتوي المنشأ بفضاءاته الوظيفية في إطار صندوق مغلق ، بل تبرز الوحدات الوظيفية المختلفة ، كالشرفات و المسطحات الناتئة ، دافعة إياها للخارج بهدف كسر الصندوق ، فيكتسب الطول و العرض و الارتفاع ، بالإضافة للزمن ، تعبيراً بلاستيكياً جديداً . العمارة الجديدة تطفو في الهواء (حتى الآن هذا غير ممكن من الوجهة الإنشائية ، إلا أن هذه المشكلة تخص المهندس الإنشائي!) كما لو كانت تسبح ضد الجاذبية .


12- السيمترية و التكرار . أزالت العمارة الجديدة ملل التكرار و جمود التناظر بين شقي المنشأ . الزمن لا يعيد نفسه ، فلا توجد واجهة رئيسية مطلة على الشارع و واجهات أخرى أقل شأناً ، فلتسقط كافة أشكال التنميط .
تستوي في ذلك البناية وحدها أو ضمن مجموعة ، إذ يمكن تصميم مجموعة من البيوت أو تخطيط مدينة بأسرها وفق هذه المباديء . العمارة الجديدة تستبدل السيمترية بتوازن العلاقات البصرية بين أجزاء غير متناظرة في الوظيفة من حيث الموضع و الحجم و التناسب و الموقف ، إذ تتوقف جودة الكل على التوازن بين تناقضات الأجزاء ، و عليه فإن المساقط الأمامية و الخلفية و الجانبية و الفوقية و السفلية تقع على نفس الدرجة من القيمة و الأهمية .


13- على النقيض من الواجهانية (التصميم اعتماداً على واجهة رئيسية واحدة : المترجم) و التي تنبع من رؤية ستاتيكية جامدة للعالم ، تفتح العمارة الجديدة رحاباً من الغنى التشكيلي في بلاستيكية متعددة الأوجه تتجدد في الفضاء و الزمن .

حاشية: ربما تتعدد الاختلافات في الطباع و الأنماط بين المباني بما لا يتسع له المقام ، إلا أن الاختلاف التصنيفي الجوهري الذي ميز البناء الصرحي ، كما في الكاتدرائيات مثلاً ، عن سواه في أوروبا الكلاسيكية ، هو أن الصرح هو المنشأ الوحيد الذي حاز أربع واجهات أو أكثر . في ذلك الزمن كانت أغلب البنايات تطل على الشارع العام بواجهة واحدة ، أما الواجهات الأخرى فكانت صامته ، أي أنها محدودة ببنايات الجيران من الجانبين و أحياناً من الجوانب الثلاث ، دون أن يكون لها مطلات على الخارج . و عليه كانت المباني الكلاسيكية التقليدية (فيما عدا الكاتدرائية) تصمم في مسقطين هما المسقط الأمامي (الواجهة) الذي يحدد شكل البناية و المسقط الأفقي الذي يحدد تقسيم فضاءاتها الداخلية . مثّل فان دويسبرخ و معاصروه ثورة على هذا الميراث ، فصمموا مبان تطل على العالم من الواجهات الأربعة ، و كأنهم يطلبون لأي بناية ، لكل بناية ، تلك المكانة التي احتكرتها الكاتدرائية في السابق ، جاعلين من كل بيت صغير صرحاً لا يقل جلالاً في فلسفة تصميمه عن الكاتدرائية . – المترجم –


14- اللون . تخلصت العمارة الجديدة من الدهانات كطريقة مستقلة للتعبير عن تناسق مصطنع أو كطريقة لإنتاج مسطحات ملونة تحيل إلى تمثيل ثانوي . العمارة الجديدة تستخدم الألوان كطريقة عضوية مباشرة للتعبير عن العلاقات المعمارية في الفضاء و الزمن . بغير الألوان لا تفقد تلك العلاقات وجودها ، إنما فقط لا يمكن رؤيتها . التوازن بين هذه العلاقات ينبغي أن يكون حقيقة مرئية باستخدام الألوان . إن مهمة الفنان الحداثي هي أن يستخدم الألوان لإنتاج عوالم متناسقة في الفضاء الجديد رباعي الأبعاد ليس فقط في الفضاء المحدود للعمل الفني . في المستقبل يمكن أيضاً أن تستبدل الألوان بمواد غير طبيعية أو معالجة تنتج ألوانها بذاتها (و لكن هذه المشكلة الكيميائيين!) ، فقط حين يكون هناك حاجة وظيفية تتطلب وجود هذه مثل هذه المادة .

حاشية: و كأن فان دوسبرخ يخبرنا عن حاضر و مستقبل ستحل فيه شاشات العرض الرقمي الضخمة و المؤثرات الضوئية المختلفة محل المواد ، فتتحول المسطحات المعمارية الصماء لمواد “تنتج ألوانها بذاتها” . يربط معماريو الدستايل بين اللون و التجربة الفراغية ، فهم لا يرون اللون كعنصر تعبيري و حسب ، و إنما أيضاً يستخدمون الألوان بشكل آدائي لإنتاج تأثيرات و مواقف معينة . و نوجه عناية القاريء هنا إلى الأدبيات العديدة لمعماريي و فناني الحداثة الأوائل ، التي تعالج مسائل متعلقة بالألوان مثل فيسيولوجية الإبصار و الفيزياء الضوئية و الإدراك و الخداع البصري ، مثل كتابات غيورغي كيبس György Kepes و لازلو موهولي ناغ László Moholy-Nagy ، و التي عكست جانباً من شغف الحداثيين الأوائل بتأصيل مسألة اللون بشكل علمي في الممارسة الجمالية .- المترجم –


15- العمارة الجديدة معادية للزخرفة . اللون ، و هو أمر ينبغي أن يفهمه أولئك الذين يخجلون من استخدامه ، ليس زخرفاً أو زينة توضع فوق العمل المعماري بعد الانتهاء منه ، بل هو وسيط عضوي للتعبير .


16- هذه العمارة هي إعادة تركيب للتشكيلية الجديدة ، و التي باحتوائها على مجمل الفنون ، ستظهر من خلالها البنايات كتجليات تكوينية . أحد متطلبات الأولية لذلك هو القدرة على التفكير في الأبعاد الأربعة ، أي إن معماريي البلاستيكية ، و الفنانين من ضمنهم ، ينبغي أن يعملوا انطلاقاً من المفهوم الجديد لمتصلية الفضاء و الزمن .
و حيث أن العمارة الجديدة لا تسمح بوجود التمثيل الصوري (كالرسم أو النحت بشكل مستقل عن التكوين) ، فإن مسعاها لخلق عمل كلي متجانس يبرر نفسه تلقائياً من اللحظة الأولى . و عليه فإن كل عنصر معماري يسهم على المستوى المنطقي و العملي في التعبير التشكيلي دون التفريط في المتطلبات العملانية .

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s