أشكال و أبواب و ممرات
(الجزء الأول)
روبن إيفانز
نشر هذا النص للمرة الأولى باللغة الإنكليزية سنة 1978
في مقال بعنوان Figures, Doors, and Passages
في مجلة Architectural Design العدد 48 الجزء الرابع ، صفحات 267 – 278


عادة ما تختفي أعقد المعاني تحت غلاف من البساطة . مثلاً إذا ألقيت نظرة عابرة على خريطة منزل معاصر ربما لن تجد شيئاً أكثر من مجرد ترجمة رسومية بسيطة و مباشرة لمقتضيات العقلانية و الضرورة و الوضوح ، فسلعة غير استثنائية بالمرّة كالمنزل ، لابد و أن تتعلق حصراً بتلبية الحاجات الإنسانية البسيطة . واقع الحال ، أن أغلب دراسات الإسكان ، على اختلاف رؤاها ، تنطلق دوماً من هذه الفرضية . فـ”النضال بحثاً عن السكن” بحسب أحد خبراء الإسكان ، “و الحاجة إلى المأوى و الخصوصية و الراحة و الاستقلالية التي يوفرها المنزل هي احتياجات عالمية.” إنطلاقاً من هذا الفهم يبدو تصميم المنزل المعاصر ، في ارتقائه إلى مرتبة الحاجة الإنسانية العامة ، كما لو كان موضوعاً عابراً لخصوصيات الثقافة و الزمان و المكان . هذا أمر يمكن فهمه بسهولة في ثقافة عالمية ترفع ما هو اعتيادي إلى مصاف الضرورة و الحياد ، إلا أن هذه الفرضية تنطوي على نوع من الوهم ، و هم له تبعات أيضاً . فخلف هذا الوهم تختبئ السلطة التي تمارسها فضاءات السكن الاعتيادية على حياتنا ، كما يخفي هذا الوهم حقيقة أن تنظيم هذه الفضاءات بهذا الشكل له أصل و غاية .
واقع الحال أن البحث عن الخصوصية و الراحة و الاستقلالية من خلال العمارة هو أمر قريب العهد نسبياً ، كما أن هذه الاصطلاحات لدى دخولها قيد الاستعمال للإشارة للأمور المتعلقة بالسكن لم يكن لها دوماً ذات المعنى . هذا المقال هو محاولة مبدأية لسبر أغوار أحد الأسرار المتعلقة بأمرٍ بات الآن أكثر من اعتيادي .

المسقط الأفقي و ساكنيه
لا يصف المسقط الأفقي شيئاً أكثر من طبيعة العلاقات الإنسانية الحادثة فيه ، إذ يمكننا أن نقتفي آثار تلك العلاقات عبر تراص و ترتيب عناصر المسقط الأفقي من حوائط و أبواب و نوافذ و أدراج فوق لوح الرسم ، نراها و هي تقسم فضاءات السكن تارة و تعيد دمجها بشكل اختياري تارة أخرى . إلا أن الشيء الذي يغيب حتى عن أكثر المساقط الأفقية تفصيلاً هو كيف سيشغل جسم الإنسان تلك الفضاءات . ربما هذا ليس من قبيل الصدفة ، فظهور الجسم البشري في الرسومات المعمارية عادةً لا يعدو عن كونه تمثيلاً شرفياً ، مجرد علامات إرشادية تشي بتواجد البشر ، خطوط ظلالية أميبية الشكل كتلك التي تظهر في رسومات باركر مورس الإيضاحية Parker Morris.
و إذا ما اتسعت دائرة البحث لتشمل أنواعاً أخرى من الوسائط البصرية التي يظهر فيها الجسم البشري بخلاف الرسومات المعمارية ، ربما سنجد مساحة من الربط بين الممارسات الاعتيادية لتصميم المنازل و بين الطرق التي ينظم بها الناس تعاملاتهم اليومية . قد يكون هذا الربط عسيراً على التخيل في البداية ، إلا أنه يتضح لنا رويداً إذا ما أدركنا أنه بمعزل عن قدر التفصيل الذي قد يظهر به الرجال أو النساء أو الأطفال أو حتى الحيوانات المنزلية في الرسومات أو الصور ، و بمعزل عن قدر التجريد الذي قد يكون عليه المسقط الأفقي ، فإن علاقات البشر التي تظهر في الرسومات المعمارية ، عادة ما تكون تجليات لعلاقاتهم في وسائط أخرى . على سبيل المثال إذا نظرنا لطريقة رسم الأشخاص في اللوحات الفنية و قمنا بدراستها جنباً إلى جنب مع كيفية تصميم المسقط الأفقي كدلائل على طريقة عيش الناس في حقبة زمنية معينة ، سيمكننا حينئذ أن نفهم العلاقة بين طبيعة الحياة اليومية و بين التنظيم المعماري لتلك الحياة متمثلاً في المسقط الأفقي .

مادونا في الغرفة
تبدو أعمال رفاييل المعمارية و الفنية كمدخل ملائم لبحث الموضوع ، ربما لأنها تؤشر بشكل واضح على أن تلك الفكرة المثالية عن الخصوصية و العزلة كحاجة إنسانية هي في واقع الحال أمر أكثر محلية مما نتصور . بالتأكيد لسنا بصدد دراسة شاملة لمجمل أعمال رفاييل ، و إنما سنحاول فقط من خلال بعض أعماله الفنية و المعمارية الوقوف على توجه عام في العلاقة مع الآخر ميّز الحقبة التاريخية التي عاشها رفاييل ، ليس فقط في الفن ، و إنما أيضاً في أوجه التعامل اليومي . انصبّ تركيز عديد من فناني عصر النهضة على الجسد البشري ، على التفاصيل الفسيولجية : كإظهار السمات التشريحية للأطراف ، توتر الأعصاب ، تجاعيد البشرة و تقسيم العضلات ، و إضفاء الوسامة على وجوه المرسومين . إلا أنه في أوج عصر النهضة High Renaissance سيطر على الفنانين هاجس آخر ، هو التلاعب بالأجساد البشرية في فضاء العمل الفني ، فبحلول القرن السادس عشر أصبحت أجسام البشر نفسها مادة لإنتاج تشكيلات أكثر تعقيداً ، فنجدها إما تهن في رشاقة وادعة أو تسمو في جبروت ساحق ، ثم تلتف تلك الأجسام حول بعضها في أوضاع شديدة الإنفعال ، عادةً ما تحمل حساً بعنف التلاطم البدني أو حتى بالشهوانية و الخلاعة ، نجد ذلك بوضوح في أعمال كل من ليوناردو و ميكلانجلو و رفاييل و تلاميذهم . لم يسلم موضوع العمل ذاته من وقع هذا التغيير . واقع الأمر أنه منذ القرن الخامس عشر كانت تلك الأوضاع التقليدية للعذراء على عرشها و المسيح الطفل هادئاً بين يديها ، مرفوعان في سمو على العالمين ، و ناظريهما مستقرين نحو اللا شيء ، قد خرجت بالفعل من طور الكهنوت و أصبحت موضوعات للتعبير الفني الحر ، و إن كانت لا تزال حينها تحمل طابعاً مقدساً .
في لوحات القرن السادس عشر هبط المسيح الطفل و أمه عن عرشهما لينخرطا في مجموعات تنبض بالحياة تضم شخوصاً مألوفة في معيّتهم ، كما في لوحة رفاييل مادونا دي ليمباناتا Madonna dell’Impannata ، و في عديد آخر من بورتريهات رفاييل التي تصور العائلة المقدسة . تصور تلك اللوحات مشاهداً من محض خيال الفنان و لا أساس لها في الكتاب المقدس . خيال تحركه رغبة الفنان في بناء علاقات حسية بين شخوص اللوحة ، حتى و إن كان موضوع اللوحة روحاني في أصله . في مادونا ليمباناتا لا تتألف العلاقات التكوينية بين الأشخاص من خلال الفضاء ، بل تبدو كما لو كانت تتشكل رغماً عن الفضاء . ينظر الأشخاص في فضاء اللوحة إلى بعضهم ، يحدقون عن قرب إلى العيون و الأجسام ، يمسكون و يقبضون و يضغطون بأصابعهم على أجسام بعضهم البعض ، كما لو كان إدراكهم لما حولهم من الوجود متعلق باللمس أكثر من الرؤية . فقط يكسر القديس يوحنا الطفل هذه العلاقة التبادلية بين شخوص اللوحة بالنظر إلى خارجها باتجاه الرائي . هؤلاء الشخوص ليسوا شخوصاً داخل فضاء اللوحة ، بل إنهم هم بذاتهم فضاء اللوحة ، بشكل يذوب معه التفرد الفسيولوجي لكل جسم على حدا لصالح شبكة من العلاقات التكوينية تتجلي في المسكات و الوقفات ، و هو أمر لم يكن جديداً تماماً في حينه ، إلا أنه مثّل ذروة الإنتاج الفني في عصره . و عليه فإن كنا بصدد البحث عن علاقة محتملة بين أشكال الشخوص في الفن و المساقط الأفقية في العمارة ، فمن الأرجح أن نبحث عنها هنا في لوحة تتحول فيها العلاقات بين شخوص العمل الفني إلى مبادئ تشكيلية تتجاوز موضوع العمل .

800px-Madonna_Impannata

مادونا دي ليماناتا ، رفاييل و ورشته ، زيت على قماش 158 سم * 125 سم ، فلورنسا

في العام 1518 ، أو 1519 لا ندري على وجه الدقة ، شرع الكاردينال جوليانو دي مديتشي Giuliano de Medici في إقامة مشروع طموح في بقعة من منحدرات مونت ماريو في روما . لم يكتمل من بناء المشروع الضخم إلا جزء صغير ، أطلق عليه لاحقاً اسم فيلا ماداما Villa Madama . أشرف على تنفيذ المشروع أنطونيو دا سانجالو Antonio da Sangallo ، إلا أن التصميم المبدأي كان بلا شك من بنات أفكار رفاييل ، ذات الفنان الذي سعى في لوحاته لتخليص العذراء من عبء قداستها ، يصمم هنا أيضاً منزلاً لحياة يومية باذخة . في العام 1809 نشر الفرنسيان برسييه و فونتان رسماً ترميمياً تخيلياً دقيقاً يبين شكل الفيلا لدى اكتمالها ، مع تأكيد على سيمترية التكوين ، ما جعل من المجمع السكني كلاً متكاملاً يتسلق جانب الجبل ، مع تعديل مسطحات الغرف لتتناسب مع التصور السائد في القرن التاسع عشر عن التناسق الكلاسيكي في عصر النهضة ، و كأن لسان حالهم يقول : كيف يمكن لرفاييل أن يصممها بطريقة أخرى؟ إلا أن الأثر المادي المتبقي من الفيلا ، و النسخ الأصلية للمساقط الأفقية القديمة تبين حقيقة مختلفة كلياً .

Villa Madama Plans

بالأعلى : المسقط الأفقي لفيلا مداما ، كما تخيله بيرسييه و فونتان في العام 1809 ، بالأسفل: المسقط الأفقي لفيلا مداما كما وضعه رفاييل في العام 1516 ، لاحظ الجزء الذي لم يكتمل بناؤه باللون الرمادي الفاتح

السيمترية الكلية كانت ستنتج وضعاً تتناظر فيه فضاءات المبنى ، فيصبح لكل غرفة و كل موقف نظيراً على الجانب الآخر ، و هو أمر لا يحدث مطلقاً في المساقط الأصلية . فبالرغم من أن أغلب غرف المبنى سيمترية التكوين على مستوى الغرفة ذاتها ، إلا أن تصميم كل غرفة على حدا لا يتكرر في باقي المبنى ، فكل غرفة تبدو مختلفة عن البقية . انتظام التكوين موجود فقط في الأجزاء الضخمة التي لا يمكن للعين أن تتخطاها ، أما التكوين الكلي فهو متنوع . و بالرغم من هذا السعي لجعل كل فضاء في المبنى تجربة متفردة ، إلا أنه من الصعب الحكم من المسقط الأفقي على أي من الفضاءات مغلق و أيها مفتوح ، فالغرف متصلة ببعضها بنفس الطريقة ، إذ تتراص الغرف و الأروقة و الأفنية و الحدائق على شكل مستطيلات متجاورة تملأ فضاء الموقع . و كأن التصميم الأصلي قد وضع على هيئة تجميع لهذه الأحوزة التي تنتظم أشكالها و أحجامها على مستوى الغرف أكثر من مستوى التكوين الكلي . هذا التكوين غير المنتظم لم يكن ليصدر عن رفاييل الذي حلم به أكاديميو القرن الثامن عشر و التقمه عنهم رومانسيو القرن التاسع عشر .
الرسم الترميمي الذي أنتجه برسييه و فونتان بتوزيعه السيميتري المتخيل يوافق تاريخياً تلك اللحظة التي بدأت فيها فضاءات رفاييل تتمدد خارج الحدود الصارمة للتصميم الكلاسيكي للعمارة ، و هي نفس اللحظة أيضاً التي بدأت جسدية أبطال لوحاته تلعب الدور الأكبر في رسم فضاء اللوحة المتخيل من خلال التشكيلات التي تتقاطع فيها أجسام أولئك الأبطال.

إضغط هنا لقراءة الجزء الثاني

يتبع ،،،

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s