أشكال و أبواب و ممرات
(الجزء الثاني)
روبن إيفانز

نشر هذا النص للمرة الأولى باللغة الإنكليزية سنة 1978
في مقال بعنوان Figures, Doors, and Passages
في مجلة Architectural Design العدد 48 الجزء الرابع ، صفحات 267 – 278


أبواب

بالنظر إلى المسقط الأفقي في فيلا ماداما كرسم تخطيطي للعلاقات الاجتماعية ، يتضح أمران ، و هما إن كانا ضمن المحظورات المعمارية في أيامنا هذه ، إلا أنهما يؤشران بوضوح على السياق الاجتماعي التي صممت فيه الفيلا . الأمر الأول ، هو أن لكل غرفة أكثر من باب . بعض الغرف تدخل من بابين ، و الأغلب يدخل من ثلاث أبواب أو أربع ، و هي خاصية اتفِق على اعتبارها خطأً فنياً ينبغي تجنبه في الفضاءات السكنية منذ القرن التاسع عشر . يستفيض المعماري الإنكليزي روبرت كير Robert Kerr في شرح الأسباب التي ينبغي على المعماري الفطن من أجلها تجنب مثل هذا الفضاءات في كتابه “بيت السيد المحترم” (1864) The Gentleman’s House. يتحدث كير عن الصعوبة البالغة في السيطرة على تلك الفضاءات الخلالية التي تنفتح في أكثر من اتجاه ، لما تشكله من عدوان على حميمية البيت و تعطيل لقدرته على توفير العزلة و الراحة ، مفضلاً عليها الغرف النهائية المغلقة ، و التي تنتفح باتجاه باب واحد فقط ينظم علاقتها بشكل مخطط مع باقي أجزاء المنزل .
لدهشة القراء ، نطالع في الكتابات القادمة من إيطاليا عصر النهضة ، و المتأثرة بالأمثلة الرومانية التاريخية ، ميلاً نحو تعدد الأبواب و ارتجالية الحركة بين الفضاءات . نجد ألبرتي مثلاً بعد أن يلفت انتباهنا لكثرة عدد الأبواب في البنايات الرومانية ، ينصحنا “بضرورة تزويد كل فضاء بعدد كاف من الأبواب تنفتح على عدد أكبر من الفضاءات المجاورة” و هو أمر كان مستحباً في البنايات العامة ، إلا أنه كان ممارسة شائعة في البيوت أيضاً . كان الأمر يعني ببساطة أنه كلما تجاورت غرفتان ، وصل بينهما باب . البيت في هذه الحالة هو شبكة متقاطعة من الفضاءات المتجاورة و المتصلة في آن . يتضح ذلك في مساقط رفاييل ، إلا أن رفاييل لم يكن متفرداً بذلك بطبيعة الحال بحكم كونها ممارسة معمارية شائعة في حينه .
بين كتابات كير في القرن التاسع عشر و كتابات الإيطاليين في عصر النهضة حدث انقلاب تام في مفهوم المعماريين عن الراحة . في إيطاليا القرن السادس عشر الغرف المريحة هي غرفة ذات أبواب عدّة ، تفتح على عدد آخر من الغرف ، بينما في إنكلترا القرت التاسع عشر الغرفة المريحة هي تلك المغلقة التي يتصل داخلها بخارجها بباب واحد فقط . لا تقتصر أهمية هذا الانقلاب في التغيير الجذري الذي استتبعه ذلك على طريقة تنظيم الفضاءات داخل حيز المنزل ، بل أيضاً على شكل و مضمون الحياة المنزلية ككل .
التوازي مع تقليل عدد الأبواب ، استحدثت ممارسة معمارية أخرى تهدف للحد من الاتصال غير المخطط مسبقاً بين المقيمين في نفس المنزل ، هي تلك الممارسة المتعلقة بالتطبيق النظامي لمفهوم الغرفة ذات المدخل الأوحد . بالعودة إلى فيلا ماداما ، كما هو الحال تقريباً في كل الأمثلة المعمارية قبل العام 1650 ، سنجد أنه ما من تمييز فضائي واضح بين الفضاءات الخلالية التي تصل بين الغرف و بين الغرف ذاتها ، أي أن كل غرفة هي فضاء للسكن ، و هي أيضاً في نفس الوقت ممر للعبور بين الغرفتين السابقة و اللاحقة . فالبوابة الرئيسية في أقصى الطرف الجنوبي للفيلا ، يتبعها درجات نصف دائرية تدلف بنا عبر مدخل تعلوه أبراج للحراسة إلى الفناء الأمامي ، و منه عبر مجموعة اخرى من الدرجات إلى قاعة ذات أعمدة ، و منها عبر ممر مقبي إلى القاعة الرئيسية . يبدو الأمر حتى الآن كسلسلة من الفضاءات التحضيرية التي تأخذنا تدريجياً نحو الفضاءات الأكثر حميمية في المنزل . لكن بمجرد وصولنا للقاعة الرئيسية ، يتفرع المسار بين فضاءت البيت المختلفة عبر عشر مداخل متمايزة و إن كانت كلها على نفس الدرجة من الأهمية . يقود خمس منها إلى داخل البيت أو ملحقاته ، و ثلاث إلى الشرفة الرائعة و الحديقة الداخلية التي تليها ، بخلاف إثنين آخرين يمران عبر مطل معقود . بمجرد دخولك للمنزل يصبح لزاماً عليك المرور على الغرف واحدة تلو الأخرى ، فكل غرفة تُدخل من التي تسبقها و تؤدي إلى التي تليها . و حتى حين تستخدم الأدراج و الممرات ، لأنك حتماً سوف تفعل ، فأنت تعبر من غرفة لأخرى ، إذ أن تلك الممرات لا تشكل نظاماً عاماً للحركة داخل المنزل و إنما فقط تصل في أغلب الأحوال بين فضاءين متجاورين . بالرغم من الاحتواء المعماري الحصيف الذي يوفره تتابع الغرف ، فإن البيت إجمالاً يبدو كما لو كان مسقطاً أفقياً مفتوحاً نسبياً أمام ساكنيه ، و الذين كانوا على اختلافهم بين رجال و نساء و أطفال و خدم و زوار مضطرين في كل الأحوال للعبور بين الغرف حيثما تتم أنشطة الحياة اليومية . تقاطع المسارات كان أمراً لا يمكن تجنبه على مدار اليوم . كل نشاط في البيت معرض طوال الوقت للتداخل مع أنشطة أخرى إلا باتخاذ تدابير محددة لتجنب ذلك . كان تعدد الأبواب و المداخل قاعدة نمطية في القصور الإيطالية كما في الفيلات أو حتى بيوت المزارعين ، كانت طريقة لوصل الفضاءات ببعضها ، تتم بمعزل عن الطراز المعماري الذي يمكن أن يكون على السواء قوطياً أو إيطالياً محلياً ، إلا أنها أثرت و لا شك على نمط الحياة في هذه الفضاءات .
في كتابات الإيطاليين الذين أرّخوا للأحداث المعاصرة لتلك الحقبة لا شيء أكثر وضوحاً من الأجواء الاجتماعية الصاخبة التي تمتلئ فيها فضاءات البيوت بأعداد كبيرة من أهل البيت و زوارهم يتناقشون أو يعملون أو يأكلون . و يشي تعدد هذه الروايات و تكرارها بثمة نمط اجتماعي عام .
في أقصى المشهد نجد كاستيليوني ، و هو صديق مقرب من رفاييل ، يسجل محادثات متكررة يرجح أنها دارت في آذار – مارس 1507 في قصر دوق أوربينو ، الذي هو ذاته مثال على هذا النوع من التخطيط الشبكي المنفتح . يسرد كاستيليوني على ألسنة عدد من الرجال و النساء من ضيوف و أصدقاء الدوق وقائع المحاورات التي دارت بينهم ، و التي يبدو أنها كانت أمراً متكرراً عقب العشاء . لا شك أن رواية كاستيليوني هي نسخة منقحة و مفصلة و عاطفية لما قيل فعلاً ، لكن وصف هذا النمط من المناسبات الاجتماعية في حضور الأصدقاء و الزوار كمصدر أساسي للتسلية و تمضية الوقت هو أمر متكرر في روايات أخري من الحقبة نفسها .
أما أقصى الطرف الآخر من المشهد فنجده في السيرة الذاتية لـ تشيلليني (1500 – 1571) . تبدو الشخوص هنا عنيفة و مزاجية ، و لا تشبه بحال أجواء المرح و النقاش المازح في كتابات الآخرين . الفرق شديد الوضوح ، حتى أنك لتظن أنه يحكي عن طائفة أخرى من المخلوقات . إلا أن كتابات تشيلليني ، مثل سابقه كاستيليوني ، تطلبت وفرة لا تنقطع من الشخصيات كمادة للكتابة . في الحالتين كان الانخراط في جماعة أمراً طبيعياً ، بينما الاختلاء بالنفس هو الأمر غير المعتاد.
هناك تشابه آخر بين كتابات كاستليوني و تشيلليني ، يبدو في بادئ الأمر كما لو كان متناقضاً مع روح هذا المقال ، إلا أن الأمر ليس كذلك كما سيتضح لاحقاً . كلا الكاتبين لم يذكرا أي وصف للأماكن التي جرت فيها الأحداث . في حالة كاستليوني ، يظهر قصر دوق أوربينو ، و هو واحد من أعظم مباني النهضة الإيطالية ، في عدد محدود من الجمل العامة . من أول النص لآخره ، ما من كلمة تصف مظهر القصر الذي كان مسرحاً للأحداث أو محتوياته أو طريقة تنظيمه من الداخل ، لا من قريب أو من بعيد . و هو أمر غريب إذا ما علمنا أن كاستليوني شبّه نفسه في مقدمته برسام يرسم لوحة عن طريق الكتابة .
تعج مذكرات تشيلليني كذلك بحكايات عن الحب و العداوة و الطموح و الاستغلال . يموضع تشيلليني هذه الحكايات بتسمية أماكن وقوعها بشكل عام دون الخوض في أوصاف هذه الأماكن ، بين حكاياته عن الكوارث و الانتصارات ، بالكاد نجد ذكراً لتضاريس الأماكن أو عمارتها أو تأثيثها . ربما كانت المرة الأوضح التي أشار فيها تشيلليني إلى عمارة المكان بشكل مباشر كانت في معرض وصفه لظروف حبسه الانفرادي في قلعة سانت أنجيلو:

“في سن التاسعة و العشرين ، اتخذت لنفسي خادمة ساحرة الجمال … كانت غرفتي بعيدة عن مكان نوم العمال ، و كذلك تبعد قليلاً عن المتجر … جعلت مبيت الفتاة في غرفة صغيرة ملاصقة لغرفتي . اعتدت أن أنام نوماً عميقاً لساعات طوال … حتى اقتحم أحد اللصوص المتجر .”

الإشارة الثانية تأتي عندما يصف محاولاته التصالح مع أحد سادة ميديتشي بينما هو طريح الفراش:
“حُملت إلى قصر آل ميديتشي ، أوصلوني إلى حيث الشرفة الصغيرة ، و تركوني هناك لأستريح قليلاً في انتظار الدوق . أثناء الانتظار قابلت بعضاً من أصدقائي في البلاط و تحدثنا قليلاً”

في المرة الثالثة يصف مواجهته مع قاتل أجير :
“تركت البيت على عجل ، كنت مسلحاً كالعادة ، ركبت بحذاء جادة جيليا ، لم أتوقع رؤية أحد هذه الساعة من اليوم . وصلت إلى نهاية الطريق ، و التفتت عند العطفة المؤدية إلى قصر فارنيسي ، عندها قام ذلك الكورسيكي من مجلسه على الزاوية و ترجل في مواجهتي إلى وسط الطريق .”

نادراً ما تظهر العمارة في هذه النصوص ، اللهم إلا في ظهور ثانوي على جانب المغامرة أو الأحجية . في مذكرات تشيلليني كما في كتابات كاستيليوني تحتل ديناميات التفاعل الإنساني المشهد بأكمله ، حتى ليصبح من العسير تمييز الفضاء المادي الذي يحدث ضمنه هذا التفاعل .تقديم الحدث على السياق و الشخوص على الخلفيات ، ذلك الولع بالأشياء و حركتها ، نجده كذلك في عديد من أمثلة التصوير الزيتي من الحقبة نفسها . تحتل الشخوص في مادونا دي ليمباناتا فضاء الغرفة ، لكن فيما عدا تلك النافذة البعيدة على الحافة اليمنى للوحة ، لا نجد أي إشارة أخرى لماهية تلك الغرفة . لا يبدو أن شكل الغرفة يؤثر بأي شكل على توزيع الشخوص أو علاقاتهم المكانية ببعضهم البعض . ينطبق الأمر ذاته حتى على أكثر جداريات رفاييل تصويراً للعمارة ، مدرسة أثينا ، حيث حظي الرواق المقبّى بمزيد من الاهتمام ، ربما بنفس قدر شخوص الفلاسفة الذين يقفون فيه . وظيفة العمارة هنا – و التي ربما كانت مستوحاة من الرواق الرئيسي في فيلا ماداما – هي تكثيف جماعة الشخوص الواقفة في قلب المشهد ، إلا أنه فيما عدا ذلك لا يبدو لها أثر حاسم على شكل هذا التجمع . فقط تبدو الشخوص الطرفية أو المُطرِقة كما لو كانت تستند إلى المبنى لترسخ وجودها المادي ، سواء جلوساً على الدرجات المؤدية إلى الرواق أو اتكاءاً على قاعدة العمود أو استناداً على ذلك المكعب الرخامي الغريب الذي يتوسط أسفل المشهد .

school_of_philosophy

مدرسة أثينا ، رفاييل 1509 – 1511 ، جدارية جصّية ، القصر البابوي ، الفاتيكان

 

كل هذا يزيد الأمر تعقيداً . من العسير القول كيف و متى أصبح الإيطاليون منهمكين في العلاقات الإنسانية إلى هذا الحد ، حتى ليبدو كل ذلك المعمار المتقن كما لو كان قابعاً خارج مدار الحياة الاجتماعية . التشكيل البديع و التفاصيل المدهشة في الرواق الرئيسي لفيلا ماداما ، و المستوحى من بيت نيرون الذهبي و أعمال أخرى سابقة لجوليو رومانو Giulio Romano و جيوفاني دا أوديني Giovanni da Udine و رفاييل نفسه ، لا يمكن تفسيرها من باب الميل إلى الإبهار أو الأيقنة فقط . يلعب الميل للإبهار و الأيقنة دوراً بلا شك ، إلا أن هذه الحساسية للشكل لا تنبع فقط من القيمة الرمزية للبيت أو مكانة صاحبه . للمفارقة ، قد تكون الطبيعة الاعتباطية للعمارة هي السبب تحديداً وراء هذا الغناء البصري . بين كل الحواس ، البصر هو الأكثر ملائمة للأمور الواقعة على حدود التجربة الحسية ، بينما ترتبط فعالية الحواس الأخرى مرتبطة بالحيز الحسي المتاخم مباشرة للجسد ، و هذا هو تحديداً ما توفره الغرفة الكبيرة في رسومات و عمارة رفاييل : حافة الإدراك .
الأمثلة السابقة ، و إن كانت بالكاد تفي كدليل ، تؤشر على أن أجواء التقارب و الألفة و الميل للتواجد في جماعة و الترحيب بالمصادفات و التي سادت الأوساط الاجتماعية في إيطاليا القرن السادس عشر تتطابق بشكل لطيف مع المساقط الأفقية لعمارة تلك الحقبة . من السهل على مؤرخي العمارة السكنية أن ينظروا إلى هذه المساقط ليروا فيها نمطاً بدائياً من الحياة اقتضت الحاجة تطويره ليشمل تنويعات أخرى.
كان من الواضح إن المعماريين الإيطاليين لم يبذلوا الكثير من الجهد لفصل وظائف المبنى عن بعضها في مجموعات أو لتمييز الخادم عن المخدوم . إلا أن هذا لا يعود لغياب المبدأ التصميمي ، فالغرف في فيلا ماداما تمتعت بذات القدر من الاتصال مع غيرها ، على اختلاف الأحجام و الأشكال و الظروف ، هذا لم يكن من قبيل الصدفة . و ربما لم يأت على ذكر هذا الأمر أي من المنظّرين ، لا لشيء إلا لأن أحدهم لم يحاول مساءلة الأمر .

يتبع ،،،
إضغط هنا لقراءة الجزء الثالث

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s