كابوس العمل التشاركي
جزء من الفصل الثاني بعنوان : قتل براءة المشاركة
ماركوس ميسن
الصفحات 41 – 50
نشر الكتاب للمرة الأولى بالإنكليزية في 2010
مطبوعات شتيرنبرغ – برلين


“كيف استحال الحسن سيئاً؟ أي مجتمع مريض ذلك الذي نعيش فيه و الذي يجعل من الحسن سيئاً؟”
– جورج كوستانزا

“إن المسؤولية التي تضعها الديموقراطية على أكتاف من يؤمنون بها تتحول إلى ضغط لا يحتمل عندما تقف تلك الديموقراطية في مواجهة واقعها و شكوك المتشككين . الديموقراطية لا يسعها أن تكون إلا ما هي عليه . أمّا أولئك الذين يريدون مواصلة المسيرة فلم يعد بإمكانهم أن يعوا حجم الخديعة التي يرتكبها ممثلوهم كل يوم في حقهم . على العكس ، قد يعنفّون من يلقي الشك في قلوبهم […] إن شخصاً مثل يورغ هايدر لم يكن ليصبح شخصية سياسية عامة إذا كان في النمسا ديموقراطية يقودها سياسيون ملتزمون بأبسط مبادئ الديموقراطية”
– يوزف بيربيشلر

عادة ما يتم فرض و ترويج فكرة المشاركة على أنها رغبة نوستالجية . تغفل تلك النظرة أن هناك أنماط من المشاركة يمكنها أن تعمل أيضاً بشكل شعبوي أو أن تخدم أغراضاً شعبوية . الاستفتاءات على سبيل المثال ، يمكنها أن تقوّض الديموقراطية بنفس القدر الذي يمكن أن تقويها به . ففي ظل الأزمة الراهنة للأيديولوجيا ، يمكن للاستفتاء أن يكون أداة في يد الأحزاب الكبيرة لتمرير القرارات التي يُحتمل ألا تحظى بقبول شعبي . عقلية زحزحة المسؤولية عن عاتق المسؤولين إلى عاتق المصوتين قد أصبحت جزءاً ثابتاً من منطق تعهيد اتخاذ القرارات للعوام . من خلال الاستفتاءات يمكن للسياسيين و ممثلي الشعب المنتخبين ، و الذين من المفترض أن يقوموا بالتقرير و التنفيذ نيابة عن الشعب الذي قام بانتخابهم للقيام بهذا الدور ، أن يتهربوا من مسؤولية أفعالهم بإلقائها مرة أخرى على الشعب .
حين يسأل السياسيون الشعب للإجابة بـ “نعم” أو “لا” ، هم لا يلتمسون فكرة أو رؤية جديدة . الاستفتاءات بطبيعة الحال لا يمكنها أن تنتح أفكاراً أو رؤى ، جُل ما تفعله هو رسم المزيد من الحدود بين الأغلبية و الأقلية : ديموقراطية تأكل نفسها بشراهة و يؤججها إجماع زائف . إفراغ الآلة الديموقراطية من محتواها بهذا الشكل ينطوي على مخاطر عدّة ، ليس آخرها التشجيع على التطرف السياسي .
مثال على ذلك ، ما حدث في الاستفتاء الأخير المتعلق بمنع بناء المآذن في سويسرا . في العام 2009 قام حزب الشعب السويسري SVP بتنظيم حملة ضخمة ، بشكل أساسي من خلال الملصقات و النشرات الإعلانية ، لـ”مساعدة” الناس في حسم قرارهم بالتصويت لصالح المنع ، مستخدمين بذلك الديموقراطية كأداة لتنمية الزينوفوبيا . هكذا يحبها الشعبويون ، ديموقراطية الاستفتاءات العامة التي تعزز من سطوة الأغلبية . لكن دعونا ألا ننسى أن الطرف الأكثر اهتماماً بتغليب الأغلبية هو عادةً ذلك الطرف الذي يمكنه جمع و إنفاق الأموال على حشدها . و بالرغم من أن هذا ليس بالضرورة حال كل استفتاء عام ، إلا أن نتائج مثل هذه الاستفتاءات عادة ما تعكس توازنات قوى المال القادم من أعلى لأسفل ، أكثر مما تمثل رغبات القواعد الشعبية القادمة من أسفل لأعلى . فالإحصاءات التي تخبرنا أن 57% من المصوتين السويسريين توجهوا للتصويت لصالح المنع ، تخبرنا أيضاً أن الشعب السويسري بين أقل الشعوب الأوروبية عداءاً للأجانب .
إذا نظرنا إلى نمط عمل الديموقراطية في هذه الحالة ، ربما نكتشف أن المشاركة ليست قيمة في ذاتها ، بل هي فقط أداة . يشبه الأمر أن تقول “مطرقة” بينما ما تريده في الواقع هو أن تبني بيتاً . صراحةً ، لا ينبغي من الأساس دعوة أو سؤال كل الناس دائماً كلما كان هناك حاجة لاتخاذ قرار ما . يبدو كما لو أن هناك حس زائف بضرورة إشراك الجميع ، و هو الأمر الذي عادةً ما يكون الدافع وراءه خوف من خسارة السلطة أو قلق من فقدان السيطرة على الكتلة التصويتية أو ربما إخفاق بالإمساك بأوراق اللعبة السياسية . فسياسات الدولة معنية في المقام الأول بقراءة و تصميم و إعمال أطر التسلط . لذا يستحيل تقريباً التفاعل مع هذه الأطر و الاحتفاظ بقدر من الفاعلية إزاءها إذا كان الهم الأساسي لنا كمشاركين هو اللعب ضمن هذه الأطر و تعظيم سطوتها .
في ظل هذا الواقع تصبح المشاركة ضرباً من الراديكالية المهذبة ، أداة يستخدمها السياسيون لا لإنتاج محتوىً نقدي و إنما كختم يوضع على الأفعال و الأقوال فيسمها بالراديكالية . كما تصبح المشاركة مسكّناً اجتماعياً ، يسحب البساط من تحت أقدام القواعد الشعبية و يحول بينهم و بين الاشتراك في نقد حقيقي لأفعال الساسة و متخذي القرار . و هذا ينقلنا إلى رؤية المشاركة و التنظيم الأفقي و غيرها من الأفكار التي تُقدم لنا في هذا السياق بدعوى جدارتها ، كمجرد ورقة أخرى كغيرها من الأوراق ، تكتسب قيمتها بحسب القواعد التي يضعها أولئك الذين يديرون اللعب ، ما يجعل من الصوابية السياسية political correctness أيضاً أمراً سخيفاً بالتبعية . إذ يبدو أن هناك ثمّة إجماع على أنه ليس فقط من المفترض أن نفكر و نفعل بمقتضى تلك الصوابية ، بل و بشكل أكثر صراحة ، أصبح من المفترض فينا ألا نثير إلا أقل القليل من الإرباك و المساءلة أثناء الاشتراك في اللعب . ما يبدو أكثر إشكالاً هنا ، هو أن أولئك الذين يرون في أنفسهم الرغبة في النقد و التغيير ، عادةً ما يجدون أنفسهم مضطرين للالتزام بقواعد تلك الصوابية السياسية ، لا لشيء إلا لأن الحديث بشكل صريح قد يعرض مسيرتهم المهنية المنتظرة للخطر .
ليس هذا هجوماً مفتوحاً ضد الصوابية السياسية عموماً . إلا أنه ينبغي أن يكون واضحاً هنا أن الصوابية السياسية وفق هذه الرؤية هي تسليم محض باتجاه ممارسة سياسية فاقدة للوعي ، تتفتت فيها المسؤولية عن القرارات ، و يظهر فيها متخذ القرار باعتباره مجرد منفذ لذوق و رؤية الأغلبية التي يمثلها . في ظل هذا النظام ، يبدو من النادر أن تجد من لديه الشجاعة للوقوف خارج الصف ليقول “مهلاً ، ألا ترون أن شيئاً غريباً يجري هنا! دعونا نعيد التفكير أولاً.”
في الأدبيات الصادرة حديثاً عن مفهوم المشاركة ، هناك افتراض عام أنه باقترابك من القضية أو صاحبها يمكنك أن تتفهم المشكلة أو أن تتعاطف أكثر مع صاحبها ، و هذا افتراض مخيف . عندما نطرح موضوع المشاركة للتفكير اليوم ، أول ما يتبادر لذهن المرء هو تلك الرومانسية المتزايدة ، و المزعجة في آن ، و التي اجتاحت الطيف السياسي من يمينه المتطرف ليساره الثوري . فجأة صار الجميع يتساءلون كيف لنا أن نقرر أمراً ما إذا لم يكن بالوسع اتخاذ القرارات بمعزل عن الأفكار و العواطف الأكثر شعبية ؟
ما شهدناه خلال العقد الماضي من استخدام عاطفي و غير متسائل لمصطلح المشاركة و للمبادئ السياسية التي يتضمنها ، هو محض ولع أصولي بإشراك الكل ، تزامن مع سباق محموم لإرساء مزيد من تلك المؤسسات التي تدعم المشاركة غير النقدية ، سواء أكان ذلك على نطاق السياسة الوطنية أو المجتمع المحلي في مكان ما أو المشاريع الفنية العالمية . نسي الجميع أنه حتى في ظلال تلك النوستالجيا الرومانسية الداعية لفعل الخير و إتاحة المصادر open-sourcing ، تظل هناك الحاجة لصوت الصدق السياسي . يحتاج هذا الصدق لأن يتجاوز الصوابية السياسية – تحديداً ذلك النمط من الصوابية التي يُمارس لتهذيب الممارسة السياسة ، كشكل من أشكال الإتيكيت الجماعي – و تفعيل حالة من النقد تتغير بحسب الموقف ، و استبدال أجواء المودّة و التآلف بالصراحة و الخبرة و القدرة على التقرير إذا اقتضت الضرورة . فلا شيء أسوأ من قرار ضروري مؤجل بحجة التعارض مع الصوابية السياسية .
الإفراط في توظيف مفهوم العمل التشاركي في العمارة هو أحد جوانب مخاض أكبر يمر به المشهد السياسي منذ عشرين عاماً . الظهور المفاجئ لعدد من الممارسات المعمارية التي تطلق على نفسها صفة “اجتماعية” خلال التسعينات كان مؤشراً هاماً على عدم الاستقرار الاقتصادي للمهنة . ما يتجنب الجميع مناقشته حين تثار قضية الممارسات التشاركية في العمارة هو أن عديد من المكاتب المعمارية اتجهت نحو نمط من الممارسات البحثية الأكثر انخراطاً مع المجتمع المحلي و الأكثر تركيزاً على طريقة الإنتاج و ليس الناتج المستهدف ، لا لشيء إلا لأن تلك المكاتب عجزت عن أن تحصل على أعمال تصميم و إنشاء معماري من خلال الطرق التقليدية . و بشكل غريب ، فإن هذه النقطة يتم تجاهلها حين يُطرح الموضوع للمداولة . بنهاية التسعينات و مطلع الألفينات كان يمكن للمرء أن يمشي في شوارع مدينة مثل برلين منبهراً بهذه الرغبة الجارفة نحو المشاركة و هذا الميل غير المسبوق لتحمل المسؤولية الاجتماعية في أوساط المعماريين و المشتغلين بالممارسات الفراغية . على صعيد آخر كانت تلك الحماسة محض صدىً مبكر لأزمة تراجع قيمة العمارة و المعماريين التي نعيشها الآن . بشكل جدلي ، يمكن للمرء الآن القول بأن حديث المعماريين حينها عن المسؤولية الاجتماعية ربما كان أحد أكثر الطرق زيفاً لتناول مسألة المشاركة ، إذ لم تكن أغلب تلك المظاهر نابعة من موقف سياسي متجذر من القضايا العامة أو من مبادئ الديموقراطية الاجتماعية أو حتى من رغبة صادقة في الانخراط المباشر في هموم الناس . على العكس ، لجأت تلك المكاتب إلى تغيير نمط عملها كفرصة سانحة لاقتصاد بديل يعوّض عن شح أعمال البناء و التصميم المسندة إلى المعماريين .
لا ينفي هذا أن هناك فئة من هذه المكاتب سعت بالفعل لتطوير أنماط جديدة من الممارسات المعمارية التشاركية . فالأزمة و إن كان لها إنعكاسات سلبية عديدة ، إلا أنها سمحت أيضاً بإنتاج و اختبار عدد من الممارسات النقدية في مجالات العمارة و التصميم الحضري .
في مجال السياسة ، و تحديداً في الديموقراطيات البرلمانية ، نحن معرضون دائماً لبناء الوهم . فالدعوة السياسية للمشاركة تأتي دائماً مصحوبة بتصور ما عن كيفية و حدود تلك المشاركة . يتشكل هذا التصور من مجموعة من القواعد و الأعراف المتفق عليها بشكل غير معلن ، ترسم معاً حدود الكياسة السياسية ، و تضع معايير المقبول و غير المقبول . براءة العمل التشاركي بلا شك هي إغراء من السهل الوقوع فيه ، لكن أيضاً لا سبيل للتغاضي عنه .
[…]
لكي نستطيع أن نطور ممارسة نقدية متخطية للنوستالجيا ، ينبغي علينا أن نتجاوز تلك الفرضية القائلة بأننا لكي نكون ديموقراطيين ينبغي علينا إشراك الكل في اتخاذ القرار . كما ذكرت في البداية ، في بعض الأحيان ينبغي تجنب الديموقراطية بأي شكل من الأشكال .
فعادة ما ينتهي الانخراط المثقل بالصوابية السياسية لعكس الأهداف المرجوة منه . في الأصل ، يرمي مفهوم الصوابية السياسية إلى الحد من فرص حدوث الإهانة الاجتماعية بهدف تدعيم و صيانة التناغم المجتمعي ، بغض النظر عن تأثير ذلك على الموضوع قيد الدراسة ، المهم هو تجنب إثارة المشاعر . قد يصل الأمر في بعض الأحيان إلى الامتناع الكامل عن البت في قرارات معينة خوفاً من الاتهام بالرجعية أو التعرض لفضيحة سياسية . من زاوية الصوابية السياسية ، يمكن النظر لهذا الامتناع ليس فقط كحماية لمجموعة من القيم المجتمعية ، بل أيضاً كحماية للأطر المؤسسية القائمة . يلفت المسرحي الألماني يوزف بيربيشلر Joseph Bierbichler انتباهنا إلى أن القضية الأكثر إلحاحاً أصبحت لا تتعلق بمدى السماح بحدوث الفضيحة السياسية من عدمه ، بل إذا كان من الممكن في المقام الأول إنتاج فضيحة سياسية في سياق تشله الصوابية السياسية . حين يتحدث بيربيشلر عن الفضيحة السياسية هو لا يقصد بأي حال الاستفزاز الساذج الذي لا ينتج عنه سوى ضجة إعلامية سريعاً ما يزول أثرها ، بل بالأحرى يقصد ذلك الإرباك الذي ينتج عن فكرة شديدة الحدة و الوضوح ما يجعلها سبباً في إثارة النقاش المجتمعي و كسر دائرة الإجماع و تعرية الحقيقة . في مجتمع اليوم لم يعد هناك بالإمكان تناول القضايا الخلافية بأي قدر من الحيوية ، كل فرص التضاد و الاختلاف و التنوع اختفت و تم إذابتها لصالح الاتفاق و الإجماع .

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s