الفاعلية الفراغية : طرق أخرى لإنتاج العمارة
جزء من الفصل الأول بعنوان: دوافع الفاعلية الفراغية
نِشاط آوان و جيرمي تل و تاتيانا شنايدر
نُشر النص للمرة الأولى باللغة الإنكليزية في 2011
مطبوعات تايلور و فرانسيس – أبنغدون ، المملكة المتحدة
ترجمه إلى العربية : أحمد برهام
راجعه \ راجعته : الأركيلوغ


إذا ما سألت طالباً ينوي دراسة العمارة عن سبب دراسته للعمارة فغالباً ما ستدور الإجابة حول ما يلي “أريد أن أصمم مبانٍ وأن أجعل العالم مكاناً أفضل.” تتضمن تلك الاجابة افتراضاً بأن هناك ثمّة علاقة سببية بين تصميم مبنىً وجعل العالم مكاناً أفضل ، وهي علاقة يتشبث بها المعماريون خلال ممارستهم المهنية بقضّها و قضيضها. قد نتفهم أن يكثّف الشاعر مشاعر الأسى في بضعة سطور ، أو أن يخلّد المصوّر المعاناة بتحويلها إلى صور ، أو أن يستفيض الروائي في وصف الحزن ، لكنه قد يكون من الغريب أن ترى معمارياً يتعمد أن يسبب الأسى لمستخدمي مبانيه أو أن يصمم مشاريعاً تهدف إلى أن يكون العالم مكاناً أسوأ مما هو عليه. يتناول المعماريون الأمور تلقائياً بقدر من التفاؤل ، و بالرغم من الصعوبات والإحباطات التي يواجهونها بمرور الزمن والحواجز التي يتعيّن عليهم تجاوزها ، يظل ذلك الدافع الاساسي للوصول للأفضل موجوداً، و غالباً ما تتقدم التطلعات الأسمى ، مهما كانت مبهمة ، على الأهداف الآنية : كتنفيذ المبنى في الموعد المحدد أو إرضاء العميل أو حتى السعي لتوفير احتياجات المعيشة الاساسية. لكن يبقى السؤال عن معنى ذلك “الأفضل” ووسائل الوصول إليه؟ قد تكمن الإجابة في ثاني أشهر الأسباب التي يدرس من أجلها طلاب العمارة ، ألا وهو “أنها مزيج من الفن والعلم .” ما يحدث هنا هو أن الأمل المعماري يتم استثماره لصالح الوحي الفني مصحوباً بالتفكير العلمي مع تركيز على الجماليات والتقنية ، والتي تصبح تباعاً أدوات القياس الأساسية لأي إنجاز معماري .
كما سنرى ، فإن الفاعلية الفراغية لا تنخرط في تلك القياسات ولكن تضعها ضمن اعتبارات أخرى ، ومن ثمّ يتسع تعريف ما قد يكون “أفضل”. بدلاً من ربط التفاؤل المعماري حصراً بصنع الأشياء و تطوير أشكالها – والذي يأتي ضمن الربط الدائم للسعادة بالجمال –  تلتزم الفاعلية الفراغية بفكرة الـ”أفضل” ، إلا أنها تربط تلك الفكرة بمجموعة من العمليات والأوضاع الاجتماعية السائلة . إن تشككنا الدائم في قدرة الجمال كوسيلة لتحقيق ما هو أفضل لا تعني بالضرورة السعي للقبح . ولكن ينبع هذا التشكك من إيمان بأن الجمال كثيراً ما استخدم في السابق كعذر للهروب من جوانب أكثر حساسية في حياتنا المعاصرة كما لو أن الحس الجمالي المتجاوز للزمن سوف يرفع عنّا عناء الحياة اليومية . يمكن القول أن تلك العلاقة بين الجمال وبين الوصول للأفضل قد أصبحث اليوم في عرف المسلمات ، حتى أن ذات الدافع لجعل العالم مكاناً أفضل قد تم استبداله سرّاً بدافع آخر أسهل و أكثر قابلية للتحكم  يهدف فقط لإنتاج الجمال لا أكثر ، ظنّاً بأن المعماريين يمكنهم تحقيق الأفضل عن طريق فعل ما يجيدون فعله ، ألا و هو تصميم أشياء تبعث على السعادة.
نفي العلاقة المباشرة بين الجمال و السعادة ، أو على نطاق أوسع بين الجماليات والأخلاق ، لا يهدف إلى إسقاط دور الجماليات و البنائيات إجمالاً ، بقدر ما يهدف إلى فهم أعمق لدورهما في سياق أوسع من الأوضاع الاجتماعية التي تسهم فيها العمارة بدور كبير . هذا الطرح يرفع عن التصميم عبء إنتاج أشياء جميلة متقنة الصنع كهدف وحيد و كلّي للثقافة المعمارية . إن حرفة البناء أو تشكيل الواجهات أو الاهتمام بالتفاصيل يجب أن ينظر إليها على أنها مهام في خدمة مهام أخرى . قد يكون الجمال أحد سبل الوصول للأفضل ولكنه ليس بالضرورة كافياً.
عندما كتب زيجمونت باومان أن “الجمال والسعادة هما إثنان بين أكثر الوعود والمُثل إثارة للروح الحداثية الحائرة”، ربما كان يشير إلى ذلك الأمل المرتجى من الجمال الذي قد لا يتحقق أبداً. تلك الإثارة قد تكمن في النقاش حول الإمكانيات التقنية والشكلانية الجديدة التي تسيطر على الخطاب المعماري ، لكنها في الوقت ذاته تمثل أملاً كاذباً لابتعادها عن العالم الذي تتجلى فيه النتائج في النهاية ، ما يجعل الجمال ، وما يرتبط به من الأمل في الوصول للأفضل ، مشوب بنوايا أخرى . في المقابل ، فان دوافع الفاعلية الفراغية تنبع من القضايا الأكثر حساسية في الانتاج المعماري ، ولها أهداف أكثر وضوحاً من الآمال الضبابية في جعل العالم مكان أفضل . دوافع الفاعلية الفراغية أكثر تركيزاً وارتباطاً بالواقع ، لذا فالأفعال والنتائج المنضوية خلالها تكون أكثر ردودية تجاه ما قد يطرأ من مستجدات على الساحة العالمية .
فيما يلي، سوف نستعرض خمسة مواضيع أساسية تشكل معاً دوافع الفاعلية الفراغية في عدد من الأمثلة المعمارية . هذه المواضيع هي السياسة ، المهنة ، التعليم ، الكوارث الانسانية و البيئة. بالطبع هذه المواضيع ليست بأي حال بدائل لبعضها البعض ، إلا أننا  بغرض التوضيح سوف نتعرض لكل منها على حدا.

1- السياسة
القول بأن العمارة هي فعل سياسي يبدو كترديد لحقيقة نعرفها جميعاً ، كذلك القول بأن المعماريين يميلون إلى تجنب السياسة يبدو أيضاً كتأكيد على فكرة عامة . العمارة بطبيعة الحال هي عمل سياسي بحكم كونها جزء من عملية الإنتاج الفراغي و لما لها من تأثير كبير على العلاقات الاجتماعية . مدى و شكل هذا التأثير هو محل نقاش كما سنرى في المقاربات المختلفة لما هو سياسي ، و التي تشترك إجمالاً في إيمان بأن الإنتاج الفراغي هو عمل سياسي بالضرورة ، و أن الاشتراك في هذا الإنتاج لا يقتضي فقط الاضطلاع بالمسؤوليات الاجتماعية الآنية بل يتطلب أيضاً تقديراً لما سيترتب على هذا الإنتاج على المدى الطويل . إن للفضاء المعماري تأثير عميق على العلاقات الاجتماعية حيث يتصل الشخصي بالسياسي . و إذا ما تبنينا الشعار النسوي “ما هو شخصي هو أيضاً سياسي” يمكننا النظر للعمارة كمساحة لهذه المزاوجة .
و كنتيجة لذلك الدور الذي تلعبه العمارة في عملية الانتاج الفراغي يتوجب على المعماريين تحمل مسؤوليتهم عن التغيرات الاجتماعية فيما يتعدى تقديم منتج جمالي و حسب . إن المسؤولية السياسية التي تقع على عاتق المعماريين ليست فقط بالتعامل مع المباني كسلعة بصرية جامدة ولكن هي المساهمة في خلق و توطيد علاقات فراغية ، ومن ثم اجتماعية ، نيابة عن الآخرين .
يتناقض الاعتراف وتحمل تلك المسؤولية مع مواقف الكثير من المعماريين المعاصرين والتي تتسم بالصمت تجاه الجانب السياسي لأعمالهم ، ما يعكس نوعاً من عدم الارتياح الذي قد يسببه التعارض بين الموضوعية التي من المفترض أن يقدمها المعماري بشكل احترافي وبين إسقاطه لاعتقاداته السياسية الشخصية من يمناها ليسراها . التحول الذي طرأ على مهمة المعماري من كونه قيّم على فرع معين من المعرفة الاجتماعية الهامة إلى خبير احترافي ينتمي لمجتمع مهني تكنوقراطي استتبع تضاؤلاً لحس المسؤولية الاجتماعية و بالتبعية حس الواجب السياسي لدى مجتمع المعماريين . النتيجة عادة ما تكون صمت قلق أو تحويل للتجلي السياسي للعمارة من ديناميكيات الاجتماع إلى ستاتيكيات الشكل ، إذ غالباً ما يلجأ المعماريون المهتمون بالشكل عند مواجهتهم بخواء الأجندة الاجتماعية لأعمالهم بالقول بأن هناك أيضاً ما يسمى بـ “سياسات الجماليات” ، وهو أمر لا يمكن إنكاره ، ولكنها في واقع الحال سياسة ذات مرجعية شخصية تحيل إلى ذاتها .
قد يرجع ذلك إلى فشل أجندة الإصلاح الاجتماعي التي قدمتها الحداثة المعمارية في نسختها الذهبية بين ثلاثينات و خمسينات القرن العشرين . في تلك الفترة كانت العمارة الوسيلة و التجلي الأوضح لأجندة الإصلاح الاجتماعي الحداثي . كان الأمر تحالفاً عقائدياً ، بين الميل التنظيمي في عمارة الحداثة ، ذلك الميل المتماهي مع الطموح الإصلاحي للحداثة كحركة اجتماعية من جانب ، و بين الجماليات الثورية للعمارة الحداثية و التي شكلت قطيعة مع الماضي و رفعت عن كاهل المهنة أعباء التقاليد من جانب آخر . في هذا السياق ، جاء إعلان تشارلز جينكس عن وفاة الحداثة في الصفحات الأولى من كتابه لغة عمارة ما بعد الحداثة ، مصحوباً بوصف لهدم مشروع بروت – آيغو في سانت لويس ، في ربط بارع بين التحلل الاجتماعي و الانهيار المعماري . اعتمد جينكس على أسطورة مفادها أن التصميم المعماري كان المسؤول الأول عن التحلل الاجتماعي في المشروع (متناسياً العوامل المؤسسية والعرقية والاقتصادية) . و في لمحة سريعة عمد جينكس إلى شيطنة ارتباط العمارة بالقضايا الاجتماعية ، و من ثم كسر أي ارتباط لهذه القضايا بعمارة ما بعد الحداثة ، و التي أصبحت منذ ذلك الحين في حلٍ من كافة الروابط السياسية ، و في سبيلها لاستكشاف مساحات أسلوبية جديدة كما يقترح علينا عنوان الكتاب . ولكن دفع السياسة جانباً لا يعني بالضرورة أنها ستختفي نهائياً . على العكس ، كما تلاحظ ماري ماكلاود في مقالها المهم العمارة والسياسة في عصر ريغان ، كان تراجع معماريي ما بعد الحداثة عن مناقشة القضايا السياسية نمطاً من الاستسلام أمام قوى الريغانية السياسية . “لم تعد قيمة العمارة في دورها الاجتماعي ، بل في قدرتها التواصلية كمنتج ثقافي”. جدير بالذكر أن التحول الذي طرأ مؤخراً على المشهد المعماري نحو براغماتية على نمط “دعه يعمل ، دعه يمر” لا يتجنب السقوط في هذا الفخ ، ولكن ربما هو أكثر صدقاً في اعترافه بالتواطؤ مع الظروف  السياسية والاقتصادية السائدة . يقول ريم كولهاس في مقابلة أجريت معه مؤخراً “سواء أكنت ترغب في ذلك أم لا، العولمة أصبحت وضعاً طبيعياً ، عليك أن تتموضع في داخلها بدلاً من محاولة العمل ضدها أو وقفها” .
مّيز هذا التحول تصالح براغماتي تجاه المؤثرات السياسية والاقتصادية ، حيث ظهر في مطلع الألفية الثانية نمط من العمارة الاستشرافية يتحرك في اتجاه الرأسمالية بدلاً من الالتزام بدفوع العمارة النقدية التي كانت سائدة في الثمانينيات والتسعينيات من القرن المنصرم . هذا التيار و الذي قد لا يجد المعماريون اليوم بديلاً آخر عن مجاراته يتيح في بعض الأحيان إمكانيات شكلانية خلّاقة ، بالاضافة إلى فتح جبهات تسمح باستكشاف إمكانات اجتماعية جديدة ؛ مثال على ذلك الأعمال الثقافية المبكرة لمكتب OMA مثل مكتبة سياتل العامة وقاعة الفن في روتردام . لكن ما لا يزال ناقصاً في تلك البراغماتية هو افتقادها إلى القصد السياسي أو الأخلاقي كما يوضح رومر فان تورن ” بدلاً من تحمل المسؤولية عن العواقب السياسية والأخلاقية للتصميم و التحرك الشجاع لدفع عجلة التغيير باتجاه ما ، يترك المعماري الأمور لواقع السوق ، منسحباً إلى خطوط التماس المهنية مرة أخرى . في هذا السياق ، فإن “الممارسات الاستشرافية هي أيضاً ممارسات شكلانية.”
غالبية الأمثلة التي تقع تحت مظلة الفاعلية الفراغية لا تقبل بتلك اللامبالاة بالرغم من تمتع الفاعلية الفراغية ذاتها بقدر من البراغماتية في بعض الأحيان ، ولكنها براغماتية لا تهتم بالشكل كغاية أبداً ، إنما تبدأ بأهداف ونوايا تغييرية وتسعى لإنتاج أعمال ذات محتوىً سياسي وأخلاقي يتحدى المحددات المتصورة والحقيقية لأي مشروع جديد . في هذا السياق، فان براغماتية الفاعلية الفراغية تختلف عن براغماتية العمارة . فالأخيرة تتحصن بسؤال: لماذا تقاوم ما لا يمكن مقاومته؟ وبالتالي تنسحب من كل أشكال السياسة في حين أن الأولى تشتبك مع تلك القوى دون الوقوع في براثن الطموح الحداثي للإصلاح الاجتماعي الجذري سواء باتجاه اليمين أو اليسار ، مع ملاحظة أن ذلك قد لا يعود بالضرورة لصغر و تواضح حجم تلك المشروعات .
فعلى العكس من الممارسات الحداثية المثالية في تعاملها مع الحتميات الاجتماعية و الأحلام المعمارية الفاضلة ، تبدو الممارسات المعمارية اليوم بحاجة لأن تكون أكثر حنكة في التعرف والتكيف مع الظروف المحيطة . كما أنه من المهم في هذه الأحوال الربط بين العملي والخيالي ، و هو ما يتطلب من المعماريين أن يكونوا واقعيين و في نفس الوقت رؤويين . إنطلاقاً من هذا الفهم ، يمكن أن نلتمس نوع من الذكاء المعماري يرتكز على تقاطع الإبداع والواقعية ويعمل في مجال أوسع . غالباً ما تبدأ الفاعلية الفراغية بفهم العواقب السياسية في سياق ما ، وتستخدم هذا الفهم كوسيلة لتحويل الفضاء للأفضل أو بالأصح تحويل حياة الناس داخل هذا الفضاء للأفضل ، تماماً كما حدث في بعض الحالات التي عمد فيها المعماريون – السياسيون للاشتغال على الفضاء المديني بغية إحداث تغيير اجتماعي من خلال العمل السياسي ، كما في حالتي عمدة مدينة كوريتيبا ومحافظ مقاطعة بارانا بالبرازيل فكلاهما يشتغلان بالسياسة و العمارة معاً ، أو كما في مدينة مالمو بالسويد تحت إدارة المار ريبالو والذي حوّلها إلي نموذج للتطوير العمراني المستدام .
تختلف الدوافع السياسية من ممارسة لأخرى في هذا الإطار ، إلا أنه يمكن التماس توجهات متمايزة تنتظم فيها الفاعلية الفراغية . التوجه الأول هو ذلك الذي يتبنى موقف سياسي واضح تجاه العمل المعماري ، و لا يقتصر هذا الأمر على جماعات اليسار ، بل يشمل أيضاً جماعات اليمين إلى يمين الوسط ، فالطروحات التي تدور حول الاستراتيجيات الاجتماعية ذاتية التنظيم يمكن تبنيها انطلاقاً من قناعات اليمين أو اليسار على السواء . إلا أن آلية الاختيار المتبعة في هذا الكتاب تميل نحو اليسار ، أملاً في تخطي المحاولات الليبرتارية التي ربما لم تزل تنظر إلى طروحات آيان راند بدرجة من الجدية . أبرز الأمثلة التي تقع ضمن هذا التوجه تأتي عادة من خلفيات الماركسية الجديدة ، مثل مجموعةAn Architektur  بألمانيا والكاتب الأمريكي مايك دافيز والأكاديمي بيتر ماركيوز والذين انتقدا تأثيرات الرأسمالية والنيوليبرالية على عملية الإنتاج المعماري . يمكن النظر إلى تلك الطروحات كبقايا أيديولوجية ميؤوس منها ، إلا أنه أيضاً لا يمكن تجاهل طموح الانعتاق المتضمن فيها . من المستحيل مثلاً ألا تشعر بالصدمة و الرغبة في التغيير حين تقرأ كلمات مايك دافيز في كتاب مثل كوكب العشوائيات حيث يشرح دافيز بشكل مؤثر التأثير المدمر للتوسع العمراني المتسارع حول العالم ، ما يترك الغالبية العظمى من سكان الكوكب يعيشون في ظروف دون إنسانية.
التوجه الآخر يتضمن طروحات معادية للمشهد السياسي ببنيته الحالية ، و يعتمد الممارسون المعماريون هنا على التدخلات المعمارية بدلاً من النقد النظري ، كالمعماري الإيطالي جيانكارلو دي كارلو والمجموعة البرازيلية  Morar de Outras Maneiras’ (MOM) ، و التي من خلال الخلفية السياسية الماركسية لأعضائها ، تعمل على إنتاج تصميمات تتيح استقلالية أكبر لساكني الفافيلات غير الرسمية . ذلك بالإضافة إلى مجموعات أخرى مثل Matrix  في المملكة المتحدة و District Six  في جنوب أفريقيا و التي تتسم طروحاتهم المعمارية بتركيز على قضايا الجندر و العرق و عادة ما  تعمل ضد القوى الاجتماعية السائدة . تلك الأمثلة تمثل إلهاماً حقيقياً للفاعلية الفراغية يعطينا الأمل في وجود طرق أخرى للتغيير السياسي من خلال العمل المعماري .
من المثير للانتباه أن كل تلك المحاولات لا تلقى الاهتمام في الدوائر المعمارية مما يزيد من وطأة الوضع السائد . يتطلب الأمر مزيداً من الشجاعة للوقوف في وجه مؤسسة أو زبون دفاعاً عن قضية ماركسية أو أناركية أو نسوية ما يفسر لجوء بعض من المعمارين ذوي الدوافع السياسية مثل تيدي كروز أو atelier d’architecture autogérée  إلى العمل انطلاقاً من المبادرة الذاتية بدلاً من انتظار زبون ما قد لا يتفق مع دوافعهم السياسية .
هناك توجه آخر من الفاعلية الفراغية ذات الدافع السياسي ولكنه يعمل ضمن المظلة الأوسع للعدالة الاجتماعية . يعمد الممارسون هنا إلى معالجة قضايا الإجحاف الاجتماعي عن طريق التدخل الفراغي ، ما يسمح بقدر أكبر من التعاون بين القوى السياسية المختلفة . من أمثلة ذلك في جنوب أفريقيا المشروعات التي قام بها كل من Abahlali baseMjondolo  و Shack/Slum Dwellers International لتمكين فقراء الحضر و دعم مكانتهم السياسية من خلال تأمين حيازة الأراضي و توفير شكل من أشكال الاستقرار الاقتصادي سعياً نحو العدالة الاجتماعية . يظهر هذا النوع من التكتيكات التي تتعدى العمل على الفضاء المعماري أيضاً في خارج دول الجنوب مثلما الحال مع الناشط الأسباني سنتياغو شيروخيدا الذي تمكن من خلال التعامل المبتكر مع الأطر القانونية من خلق إمكانيات جديدة للاستحواز و التمكين الفراغي .
قد تتسبب تلك النماذج في حالة من عدم الارتياح لجمهور معماري صرف ، حيث أن منجزها الأساسي غير بصري بالأساس ولكنه يؤثر على العمليات غير الظاهرة المسؤولة عن إنتاج الظاهر . في هذا السياق يأتي تساؤل المؤرخة المعمارية الهولندية ميشيل بروفوست عن مدى ارتباط أهمية العمل المعماري بالصورة المعمارية . قد تكون الإجابة بأنه كلما أصبح العمل المعماري أكثر ظهوراً فإن ذلك قد يكون مؤشراً لطغيان قوى السوق وبالتالي تضاؤل دور المعماري . لكن يجب الانتباه إلى أنه ليست بالضرورة كل المباني القوية بصرياً ضعيفة المعنى حيث أنه يوجد الكثير من الأمثلة على مدى نجاح المعماري في التعامل بتواضع وبشكل ضمني لإنتاج تأثير كبير من خلال تفاعل ذكي ومبدع مع السياقات السياسية و الاجتماعية والاقتصادية للإنتاج الفراغي ، ما يؤكد على دور المعماري الأساسي وأهميته الاجتماعية .
توضح بروفوست بالأمثلة المبنية كيف يمكن للمعمارى تخطي النموذج الفيتروفي القائم على تقديم المعرفة و الخبرة المعمارية كغاية سامية وإيجاد الإلهام في مشروعات تسبر عمق الإنتاج المعماري والتجريب بنماذج جديدة من التنظيم والتمويل و الإسناد تتجاوز الطريقة النمطية للعمل المعماري .
في هذا السياق يمكن القول أن سياسات الفاعلية الفراغية تتفق و نظرية شانتال موف عن “السياسات التبارزية” والتي تنظر للفضاء على أنه ساحة معركة بين مشاريع سياسية مختلفة تسعى جميعها للهيمنة ، بشكل لا يمكن بأي حال أن يفضي إلى وفاق نهائي . يتميز الفضاء الذي يدور فيه هذا التنافس بتعددية الفاعلين وعملية مستمرة من التنازع والتفاوض ، تضم كل من طلاب العمارة والمعماريين والفنانين والمخططين العمرانيين وصانعي القرار والمواطن العادي مع وعي كامل بالتبعات السياسية لأفعالهم .

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s