الشيء الغرائبي
مقتطفات من محاورات من تقييم مايكل يونغ، أجراها ريت روسّو مع كل من دافيد روي وفِردا كولاتان
نُشر النص الأصلي في كتيب من تنسيق مايكل يونغ وكوتان أياتا، ضمن معرضٍ بنفس العنوان في 2015
من إصدارات دار نشر تريتايز، شيكاغو


عن طبيعة الواقع
مقدمة بقلم ريت روسو

وضع الرسم الواقعي إبّان خمسينات القرن التاسع عشر، خصوصاً أعمال [غوستاف] كوربيه و[تيودور] جيريكو، المشاهد أمام الواقع بشكلٍ جديد. أظهرت لوحات تلك الفترة مفهوماً جديداً عن الواقع، تجلّى ليس فقط في التصوير الدقيق لتفاصيل الواقع اليومي، بل في عمق يتجاوزٍ التوثيق البحثي باتجاه الاستشراف النقدي. فنحول أبدان المتشبثين بـ طوف ميدوسا (1818-1819) والإضاءة المسرحية لفضاء العمل والتكوين الملحمي للوحة نبعوا جميعاً من دراسات جيريكو التشريحية على جثث بحارة السفينة الغارقة وبحثه الاستقصائي عن السفينة المنكوبة وتوثيقه المفصّل لنجارة الطوف، بقدر ما نبعوا من رغبة نقدية لديه في التفكّر النقدي في جماليات المأساة. يخبرنا مايكل فريد أن محتوى الرسم الواقعي لطالما مثّل تحدياً للمؤرخين من هذه الزاوية، في جانب منه، لتصويره الدقيق لتفاصيل الحياة العادية، وفي جانب آخر، لغرائبيةٍ تنفيه إلى خارج أطر الاستطيقا الكلاسيكية. مكّنت هذه الازدواجية الفنانين الواقعيين من تقديم طريقةٍ جديدةٍ لرؤية الواقع تبرز فاعلية الفنان في إعادة تعريف حدود الواقع نفسه. ما يستوجب الانتباه هنا هو قدرة التخييل الفنّي على رسم حدود الواقع وتغييرها. فليس من ثمّة مغزىً سياسي واقعي يمكن إضافته لإثراء العمل الجمالي للفنّان، فمع الواقعية أصبح الاشتغال بالجمال هو صلب العمل السياسي الهادف إلى تغيير الواقع.
تدور المحاورات التالية، والتي قام بتقييمها مايكل يونغ ويديرها ريت روسّو، حول طبيعة وجماليات ما هو واقعي في العمارة. وقد جرت بين عدد من المعماريين والأكاديميين هم: فردا كولاتان وجايسون باين ودافيد روي، يقدم كل منهم تصوّراته عن أهمية الواقعية، وبشكل أدق، عما يمكن أن تتيحه الوقعية من فرصٍ للعمارة.

Alexandre Corréard (1788–1857)

مسقط أفقي لطوف ميدوسا لحظة انتشال البحارة – من رسم ألكسندر كوريير

الواقعية الغرائبية – ريت روسّو يحاور دافيد روي

ريت روسّو (ري.): بالنظر إلى الاهتمام الضئيل الذي حظيت به الواقعية في تاريخ الفن، يبدو غريباً أن الخطاب المعاصر عن الواقعية قد لقى هذا الصدى في دوائر الدراسات الفلسفية. ما هو الأمر الفريد في الواقعية والذي يجعلها إلى اليوم موضوعاً هاماً للحديث عند المعماريين؟

دافيد روي (دا.):  لا شيء أسوأ وقعاً على أذن المعماري من عبارة “هذا التصميم ليس واقعياً”. هذه العبارة البسيطة قد تكون تعبيراً مختصراً عن عديدٍ من الأمور: إنه عالي التكلفة؛ غير سليم إنشائياً؛ لن يعمل وفق البرنامج الاستثماري المطلوب؛ غير قابل للتنفيذ؛ إلخ. إلا أن النسخة الأكثر أهمية لهذه العبارة هي حين تعني “إنه غريب”. بعبارةٍ أخرى، هي حين تستخدم هذه العبارة للإشارة إلى أن العمل المعماري محل البحث لا يعكس تصوّر المتلقي عمّا يجب أن يكون عليه الواقع.
منذ أن نشر إمانويل كانط كتابه نقد العقل الخالص، وربما قبل ذلك، لدينا أسباب تجعلنا نتشكّك في قدرة العقل على الإتيان بالمعرفة الكاملة. حتى في اليونان القديمة، وصف أفلاطون العقل البشري كحبيسٍ في عالمٍ من الظلال كُتب عليه إلا يرى الأشياء على حقيقتها أبداً. ما يثير اهتمامي هنا، هو أن هذه الفكرة لم يتم اعتناقها بالكامل في الممارسة المعمارية، والتي تنبني في غالبها على فرضيات عمّا يجب أن يكون عليه الواقع. هنا يأتي دور الفلسفة لمساءلة بعضٍ من تلك الفرضيات عن ماهية هذا الواقع. نلجأ دائماً  لطرح فرضيات عن الواقع، إلا أنه في كثير من الحالات لطالما كانت تلك الفرضيات قيوداً جمعية على أفكارنا وعملنا. ربما يكون من المفيد في بعض من الأحيان أن نعمل على تغيير الواقع.

ري.: سمعت ملاحظتك عن أن الواقعية هي إشكالية تمثيل بالأساس. فسواء أكان الواقع أدبيّاً أو سينمائيّاً أو معماريّاً، هو في النهاية نتاجٌ لضربٍ ما من ضروب التخييل. كيف يمكن لهذا الفهم للواقع أن يمكّن المعماريين من إعادة الاعتبار لأهمية عملهم؟

دا.: طالما أنه ليس هناك من سبيل لفهم الواقع نفسه، أيّا ما كان فهمنا لهذا الواقع، لابد وأن يرتد هذا الفهم بالضرورة على سؤال: ما هو شكل الواقع؟ لا سؤال: ما هو الواقع؟ ولهذا السبب ينطوي السؤال عن الواقع دائماً على أزمة تمثيلٍ من نوع ما، وهنا يبرز دور العمارة بصورة واضحة. فليس من فعلٍ إنساني أكثر اهتماماً بالواقع وفهمه وتمثيله من العمارة. العمارة هي أوّل ما يخبرنا كيف يبدو الواقع.
ما نحتاجه هو واقعية غرائبية. نحتاج إلى عمارة مكرّسة لسؤال الواقع، لكنها أيضاً واعية بلا نهائيته وعدم استقراره. أعتقد أنه في ستينات القرن العشرين، وقت ازدهار العمارة الطوباوية، كانت هناك استراتيجية مختلفة تماماً. كانت الاستراتيجية تعتمد على تموضع العمارة في عالم لاواقعي، ومن ثم إلقاء الحجارة على الواقع. كان الهدف هو إنشاء فانتازيات كليّة جديدة، والانسحاب من مواجهة واقع لم يعد من الممكن تغييره أو مواجهته. كان من المأمول أن تشكّل هذه الفانتازيات الجديدة رغبات جديدة، سوف تقوّض بدورها هذا الواقع الحتمي. فشلت تلك الاستراتيجية لسببين، أولهما هو اعتماد الرأسمالية المتأخرة على نفس تلك الاستراتيجية لتشتيت الانتباه بعيداً عن فاعليات المواجهة. لا ينبغي أن ننسى أن التأسيس المتواصل لليوتوبيات هو ممارسة معتمدة بالفعل في واقعنا الرأسمالي. لقد تم استيعاب هذه الاستراتيجية بالكامل وتطويعها من قبل المؤسسات السائدة. السبب الثاني، وربما الأهم، هو أن تأسيس الفانتازيا يفترض دوماً أن الواقع هو أمر مادي نهائي، في حين أن ما نطلق عليه الواقع هو محض تجريد اختزالي للحقيقة. لا شك في أن هذا هو أحد التوابع غير المقصودة للنزعة الطوباوية في الستينات والتي أفضت إلى تصوّرٍ عن الواقع يفترض ضرورة إلمامنا به بشكل مادي.

ري.: لعبت البراغماتية دوراً هاماً في تشكيل نظريات العمارة في العقد الماضي، كان ذلك شكلاً آخراً من أشكال الواقعية، ارتبط بشكل وثيق بتقعيد الممارسات المعمارية النقدية وتنميط ما يمكن أن تحمله التقنيات الحديثة في عالم البناء. فتح ذلك مساحة لتأسيس ممارسة معمارية “عادية” يمكن اعتمادها على نطاق عالمي. هل هناك جانب سلبي في هذا النمط من الواقعية اليومية؟

دا.: بالنظر إلى فشل النزعة الطوباوية في العمارة كما سبق وأوضحت، لا يمكن أن يكون رد الفعل هو الاستسلام للممارسات العادية واليومية أو اعتناق مشروع نقدي لاجمالي. يقول البعض بضرورة القبول بالمحددات الواقعية للممارسة المعمارية، والمحاولة على تغيير الواقع من الداخل؛ يشبه ذلك موظفاً يحاول إصلاح الرأسمالية بسرقة البنك الذي يعمل به. أتصور أن هذا النوع من الفرضيات يبالغ في تخيّل قدرة العمارة على صناعة أحصنة طروادية ويتغافل، وياللعجب، عن قدرة العمارة على خلق واقع جديد دون تنازلات. الأهم من ذلك، هو أن تلك النزعة باتجاه الواقعية الساذجة تشترك مع النزعة الطوباوية في أن الواقع هو أمر مادّي نهائي.


الواقع المعدّل، أو دروس من السينما في كيفية تجاوز الحقائق
ريت روسّو يحاور فردا كولاتان

 ريت روسو (ري.): في مقابل الرسم الواقعي والذي ربما يمكن اختزاله إلى مستودع للسرد التوثيقي، تشكّل تاريخ السينما الواقعية في الستينات حول ممارسات تختص بكادر الكامرا وتقنيات المونتاج. وفق هذا الفهم، الواقع في السينما هو في حد ذاته نتاجٌ لرؤيةٍ مجتزأة أو ناقصة للواقع. إلى أي حد تتشارك السينما مع العمارة في هذه الرؤية للواقع؟

فردا كولاتان (فر.): يشرح فرنر هرتزوغ في مقابلة صحفية مقاربته للسينما الوثائقية عن طريق مقابلة يعقدها بين الحقائق والواقع. يقول هرتزوغ أن الحقائق مكانها دليل الهاتف، فهو منظّم بدقّة ومبوّب لسهولة وآنية الاستخدام. يتساءل هرتزوغ “هل ستخبرك بيانات دليل الهاتف للسيد سميث عن أحلامه حين ينام في المساء؟” ثم يكمل “لكي أهرب من سأم الحقائق، ألجأ إلى الخيال والاختلاق على أمل الولوج إلى أعماق الواقع.”
لا يكترث هرتزوغ هنا لتمثيل الواقع الكمّي؛ تقف واقعيته في قطيعة حادة مع السينما المباشرة، وهي نوع من سينما الواقع يُعد المنادون به من أشدّ نقاد هرتزوغ. بالنسبة لأولئك، المبدأ الأساسي للسينما الوثائقية هو الانفصال الشعوري بين المخرج وبين ذوات شخوص الفيلم. تختص هنا الكامرا وحدها، دون دليل من خيال المخرج، بتسجيل الواقع، في حين توصّف أعمال هرتزوغ بتلاعبها بالواقع؛ كشبه-واقعية خارجة عن التصنيف. أستطيع أن أرى نفس تلك التصنيفات المختصة بتحديد ماهية الواقع في العمارة، تحديداً فيما يخص علاقة العمارة والتكنولوجيا.

ري.: في رأيك، كيف يمكن الحول دون أن تؤدي بنا هذه النزعة الإمبريقية، التي تميل بحسب تعبيرك، إلى رؤية العالم كمجموعة من الحقائق، إلى إجهاض أشكال أخرى من الإنتاج الفنيّ؟

فر.: أعتقد بأننا نحتاج أن نتحرك باتجاه فهمٍ عام، يُعاد فيه ربط الواقع بالموضوع لا الموضوعية.السينما المباشرة على سبيل المثال، تعتمد على يقين سببي، ربما يعود لعصر التنوير، تميّز فيه بشكلٍ قاطعٍ بين ثنائية خطيّة قوامها ذات الفنان وموضوع العمل. ترتكز السينما المباشرة على هذا التقابل الثنائي كضرورةٍ حتميةٍ لتمثيل الواقع. يعتقد أنصار السينما المباشرة أن الانصراف عن موضوع العمل يجعل من موضوع العمل يتصرّف بصدق وتلقائية. فإذا ما أتيح لصانع الفيلم التنصّت على تلك التلقائية أمكن له أن يحرز تمثيلاً أميناً للواقع. تعريف الواقع في السينما المباشرة إذن ينصبّ على تعريف الأمانة الموضوعية لا على موضوع العمل. يظهر هذا بشكل أوضح في الاعتقاد بأن الكامرا، باعتبار أن ليس لها ذاتٌ واعية، يمكنها أن توثّق الواقع بشكل أكثر صدقاً و حياداً طالما ظلّت في معزلٍ عن التدخل البشري. بينما تظل قدرة التكنولوجيا على تشويه أو فبركة الواقع، وفق المنطق نفسه، مرهونة بتدخل البشر.

ري.: وكيف يمكن فعل هذا؟

فر.: هذا سؤال قديم في حقل العمارة، يحاول كل جيل أن يصل إلى إجابته الخاصة عليه. لكن رأيي أن ذلك الربط أو التوليف في مجال التصميم لا يمكن أن ينتج عن علاقة سببية مع موضوع العمل. مرة أخرى، حين يقابل هرتزوغ اتهامات أنصار السينما المباشرة له بمزج الواقع والخيال يقول “ببساطة لا يوجد حدٌ فاصلٌ بين الخيالي والوثائقي، كلها أفلام” يعني هذا أن الموضوع محل النظر هو الفيلم نفسه، والفيلم نفسه هو شيء واقعي دائماً. ذلك المستوى الفيلمي الانتقالي الذي يميّز بين ذات المؤلف وموضوعٍ التصوير، يتوسطهما وسيط تكنولوجي محايد هو الكامرا، لا محل له في عالم هرتزوغ. نحن حيال شيء جديد آخر هو الفيلم نفسه، متحررٌ من أية علاقة حتمية مع سردية المؤلف أو حقيقة الموضوع. يصف هرتزوغ هذه المقاربة بـ”التكثيف الحقائقي”؛ تناول استشرافي للواقع، دون تمييز هذا الواقع إلى درجات.

su11 Corallines 2012

مرجانيات، 2012 – من تصميم فردا كولاتان

 ري.: استخدمت مصطلحاً هو “الواقع المعدّل” لفهم الواقع. في عملك المعنون “مرجانيات” تذكّرنا أن الواقع ما هو إلا خليط غرائبي من الأداتية والملاحظة الحصيفة والخيال. من منظورك، ما هي التعديلات التي نحتاجها لصياغة خطاب واقعي حول العمارة والعمران؟

فر.: كما تفضلت، يحاول “مرجانيات” أن يؤسس واقعاً يستند إلى مصادرٍ عدّة، حيث لا يتم التعامل مع الخصائص الفعلية والمتخيّلة للمرجان كمقدمات منطقية باتجاه التصميم النهائي ولا كخيارات طرازية من قبل المصمّم. بل يتشرّب جسم العمل نفسه لهذه الخصائص، ليصبح هو بذاته تجلياً مادياً لخصائصه الخيالية. لا تعتمد هذه المقاربة على الحجم، و يمكن تطبيقها كاستراتيجية لمواجهة النزعة السببية في العمارة والعمران.
لا يمكن النظر للشيء المعماري كنتاج حتمي لعبقرية المصمّم ولا لمحددات الواقع، ما يستنزف العمارة في بناء حتميات سببية سواء أكانت تلك الحتميات ثقافية أو تقنية. لطالما كان اعتناق تلك الحتميات السببية في العمارة، وحتى في العمران، سبباً في ازدراء أي محاولةٍ جديّةٍ لفهم المبنى، إما باعتباره محصلةٌ للتخطيط العمراني أو تابعٌ لما يحيط به من عوامل. دفع هذا التفكير بالخطابات الحداثية المتأخرة لتبنّي العديد من التنميطات السطحية. نجد في هذه الخطابات التكنولوجيا إما أن تكون سبباً في تدمير العالم أو إنقاذه، والطبيعة إما أن تكون مصدراً للغنى يجب الحفاظ عليه أو محدداً لطموح الإنسان يجب التغلب عليه، والتصميم إما أن يكون تعبيراً فردانياً عن عبقرية المصمم أو حلاً جمعياً لمشاكل المجتمع. الواقع في هذه الثنائيات عالقٌ دائماً في عالمٍ من التصورات والفرضيات التي أنتجها الفكر البشري، والتي يحتاج الآن إلى الفكاك منها.
في فيلم هرتزوغ “كهف الأحلام المنسيّة“، بطل الفيلم هو كهف شوفيه برسوماته التي تعود إلى ثلاثين ألف سنة. موضوع الفيلم، هو التمثيل الفيلمي لمكان لا يمكن للبشر رؤيته إلا جزئياً، بشكل يجعل من السرد إكمالاً استشرافياً لكل ما لا يمكن رؤيته. يخلق هذا التراص بين البصري والتخيلي واقعاً أكثر عمقاً وتشعباً للكهف. الشيء الناقص هنا، الشيء الذي لا يمكن تصويره، هو تحديداً ما يجعل من السرد كلاً متكاملاً.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s