جناح برشلونة: الحقيقي والمتخيّل
(الجزء الأول)
كلير نيوتن
نُشر هذا النص للمرة الأولى بالإنكليزية ضمن أعمال الدورة الحادية والتسعين للمؤتمر العالمي لرابطة كليات العمارة ACSA بهلسنكي في تموز 2003


بُني جناح ألمانيا في معرض برشلونة الدولي في العام 1929 وتمّ هدمه بعد أن صمد في مكانه لتسعة أشهر فقط. لم يتبق من البناء الأصلي سوى بعض البقايا وعددٌ محدودٌ من الصور بالأبيض والأسود وقليلٌ من الرسومات المعمارية وبضع حكاياتٍ على ألسنة من شاهدوه للمرة الأولى.
تمّ ضمّ الجناح الذي صممّه ميز فان دير روه على المخطط العام لمعرض برشلونة الدولي في اللحظات الأخيرة، حتى أنه لم يتسن ظهوره على المواد الدعائية للمعرض التي ذهبت للمطبعة قبل الانتهاء من تصميمه. فقط وردت جملة مقتضبة عن أن الجناح لن يشتمل على الكثير من المسطحات الزجاجية. استقبل جمهور المعرض جناح ألمانيا في معرض برشلونة، والذي سيعرف فيما بعد باسم جناح برشلونة، بشكل جيد خلال حياته القصيرة، إلا أنه اكتسب شهرته كواحد من أهم مباني القرن العشرين في المقالات النقدية التي كتبت بعد هدمه.
حتى إعادة إنشاء مبنى الجناح في ثمانينات القرن العشرين، ظلّت صورته العالقة في ذاكراتنا هي فقط تلك الصورة بالأبيض والأسود . يعلّق ريم كولهاس على ذلك قائلاً أن إعادة بناء الجناح دمّرت صورته الذهنية التي احتفظت بها مخيلة مجايليه بالأبيض والأسود . في العام 1986 عاد جناح برشلونة بالألوان، إلا أن هالة الهيبة التي أحاطت بصورته القديمة كانت قد زالت. لم تزل صورة المبنى في عناد عالقةً في أذهان المؤرخين بالأبيض والأسود. وبين هدم المبنى وعودته ظهرت تأويلات عديدة استندت إلى الصور، كاقتراح جوزب كتغلاس، أن مبنى الجناح إنما يتألف في حقيقة الحال من انعكاسات الضوء.
قام المعماريون اللذين أشرفوا على إعادة بناء الجناح، إغناسي دي سولامورالس وكرستيان سرسيسي وفرناندو راموس، بتوثيق عملية البحث واتخاذ القرار المتعلقة بإعادة إنتاج التصميم الأصلي للمبنى. تضمنت أوراق التوثيق استبدال السقف الخفيف سيء الصرف في النسخة الأصلية للجناح بسقف من الباطون في النسخة الجديدة. متابعة التوثيق تكشف عن قرارت أكثر إثارة للاهتمام تهدف لسدّ ثغراتٍ وتصحيح أخطاءٍ وحذف زياداتٍ من التصميم الأصلي. هل أتاح هدم الجناح الأصلي إعادة كتابة تاريخه بشكل منقّح لا تظهر فيه كل تلك الأخطاء؟ أعتقد أن الإجابة على هذا السؤال لن تكون مهمةً سائغة، وسوف تتطلب منّا دراسة السياق المكاني للجناح، وهو ما يسقط عادةً من حسبان الكتابات السابقة عن المبنى.

تصحيحات ومراجعات وأخطاء جديدة
تتحدث أغلب الأدبيات السابقة عن معلومات ناقصة ومعلومات مغلوطة وتغييرات في ظروف التصميم والإنشاء، وهو ماتؤكده أيضاً السجلات بالغة الأهمية لعملية البحث والتوثيق التي أعدّها الفريق المعماري المشرف على إعادة البناء. فيما يلي بعض من الثغرات في عملية التوثيق، والتي ربما تدفعنا للتساؤل إذا ما كانت النسخة الجديدة تمثل تجسيداً أميناً أو تدميراً للمبنى الذي تقف تلك النسخة في محله اليوم.
منذ العام 1929 تعتمد أغلب الأدبيات المعمارية الصادرة عن المبنى على واحد من ثلاثة مساقط أفقية أصلية لتوضيح العلاقة بين السقف والحوائط وبركة المياه الخلفية والتمثال البرونزي والمصطبة التي يستقر عليها المبنى. إلا أن تلك المساقط الثلاث ليست متماثلة. تبدو الفروق بينها بسيطة للوهلة الأولى إلا أنها تظل ملحوظة. أحاول على مدى الصفحات التالية تقديم شروح أكثر تفصيلاً للفروق بين هذه المساقط وبعضها، والتي أُعد أولها للنشر في العام 1929، وتظهر فيه اختلافات واضحة عن المبنى الذي نُفّذ لاحقاً في العام نفسه. إذ تم تقليص وتوحيد سمك الحوائط المنفّذة في الواقع، كذلك أنشأت الباحة الأمامية بشكل أبسط.
في أواسط ستينات القرن العشرين، ظهر إلى الوجود مسقط أفقي جديد، صادرٌ عن مكتب ميز فان دير روه في شيكاغو. تمّ تصحيح عدد من التضاربات الواضحة لمسقط 1929 في المسقط الجديد، كما تمّت إضافة الأثاث وعناصر تنسيق الموقع من نباتات وخلاف ذلك. إلا أن بعضاً من تضاربات المسقط الأصلي ظهرت كما هي في المسقط الجديد، بل وظهر إلى جانبها عددٌ من التضاربات الجديدة. أكثر هذه التضاربات وضوحاً هو خطأ في رسم السقف الذي يبدو على المسقط كما لو كان يغطي البركة الخلفية برمّتها. من المدهش أن هذا المسقط الأفقي ظلّ قيد التداول والطبع حتى بعد أن قام فولف تيغتهوف بنشر مسقط جديد يصحح الخطأ السافر في العام 1981.

Barcelona - discrepancies in plan

أعلى: رسم أكسونومتري طهر في كتاب فرنر بليزر Less Is More في العام 1986. تظهر فيه شبكة منتظمة بتربيعات يبلغ طولها 1000 مم. نلاحظ كذلك امتداد السقف ليغطي كامل مسطح البركة الخلفية. أسفل: رسم أكسونومتري ظهر في كتاب تيغنهوف بعنوان Mies van der Rohe: Villas and Country Houses في العام 1985. تظهر فيه شبكة منتظمة إلا أن طول تربيعاتها يبلغ 1100 مم هذه المرة، كما أن السقف يبدو صحيحاً.

ينسب كتغلاس هذا الخطأ إلى [خوان بابلو] بونتا إلا أن كتّاباً آخرين ينسبونه إلى [فرنر] بليزر. يقول كتغلاس:
“لكن المسقط الأفقي المنشور في كتاب بونتا بعنوان “تشريح التأويل المعماري”، يظهر السقف كما لو كان يغطي كامل المبنى، فيعبر من فوق التمثال البرونزي وبركة الماء الخلفية برمّتها ليستقر على الحائط الخارجي. بهذا القدر من الاستخفاف بموضوع الدراسة، حجز بونتا لنفسه شرف المكان الأخير، بكل معاني الكلمة، بين من كتبوا عن المبنى. ما يزيد الطين بلّة، أنه ومنذ العام 1975، لأسباب ربما تعود إلى إهمال أو غفلة النقّاد أو ربما لأسباب تتعلق برغبة الناشرين في ضغط نفقات الطباعة، خرجت إلى الوجود سلسلة من الدراسات يظهر فيها المسقط الأفقي الخطأ، كان آخرها كتاب فرنر بليزر “الأقل هو الأكثر” في عام 1986.”

المسقط الأفقي والباحة الأمامية
كان المسقط الأفقي المنشور وقت افتتاح جناح برشلونة على قدر من البساطة يخلب الألباب: حوائط متساوية السمك وباحة أمامية بخطوط بسيطة؛ أزيلت الأبواب ولا أثر لأثاثٍ بعد. في هذا المسقط تظهر الباحة الأمامية كمصطبة بارزة بمتر أو يزيد عن كامل محيط المبنى. بالرغم من أن الصور الفوتوغرافية التي وثّقت المبنى الأصلي في عمره القصير جاءت من زوايا معينة دون غيرها، تظهر تلك الصور مصطبة الباحة الأمامية البارزة وقد عادت بسواء الحائط عند طرفي المبنى بخلاف الخرائط. يظهر إصرار ميز فان دير روه على نشر المسقط الأفقي الأصلي كما هو، ثم إعادة رسمه مرة أخرى بالتعاون مع فرنر بليزر على النحو ذاته في 1964، تفضيله لخيار المصطبة البارزة عن ذلك الذي تم تنفيذه. هل أدى ضغط كلفة الإنشاء التي وثقها الباحثون للجوء للخيار الأقل تفضيلاً لدى ميز؟ يخبرنا تيغتهوف أنه يمكننا أن نفترض مع بعض الحذر أن المسقط المنشور هو مسقط مثالي لا يعبر بالضرورة عن الواقع. يدفعنا هذا للتساؤل عما إذا كان من الحري بنا عند إعادة إنشاء المبنى مرة أخرى اعتماد مسقط أفقي مثالي لا يعكس الواقع التاريخي للنسخة الأصلية من المبنى. قبيل البدء في إعادة الإنشاء، تواصل فيليب جونسون مع كرستيان سرسيسي وأخبره بضرورة اعتماد المسقط المثالي كما أراده ميز. فميز فان دير روه، على حد تعبير جونسون، كان معمارياً كلاسيكياً، وعليه فالمصطبة البارزة كانت إحالة إلى معمار المعابد الإغريقية.
إلا أنه وبعد دراسة متوخيّة لظروف الموقع، تأكد لدي أن هذا التغيير لم يكن بدافع من ضغط نفقات الإنشاء بقدر ما كان حلاً لمشكلة هندسية تتعلق بميول طبوغرافيا الموقع. العلاقة البارزة بين المصطبة وطبوغرافيا الموقع من الواجهة الأمامية كانت تتعارض مع تغير المنسوب الطبيعي للأرض في الموقع، والذي يرتفع ليغطى طرفاً من الحائط الجانبي [من جهة البركة] ثم يلتف حول المبنى مرتفعاً فوق منسوب أرضية المبنى من الجهة الخلفية. حتى زوار المبنى الأصلي في العام 1929 لم يلحظوا هذا الفارق، فالواجهات الجانبية ظهرت للكثيرين كواجهات ثانوية غطتها النباتات. عندما نشر ميز مسقطه الأفقي في العام 1929 بدا كما لو كان مهتماً أكثر بوضوح فكرته لا بحقيقة المبنى وميول الموقع.

berliner-bild-bericht-barcelona-pavillon-frontseite-von-nordost-gesehen-1929-vintage-gelatin-silver-print-15-8-x-23-1-cm

صورة تعود لصحيفة البرلينر بيلد من العام 1929 ، تظهر فيها ميول الموقع العام، وتنتهي فيها المصطبة عند يمين الصورة بشكل مفاجئ وتغطي النباتات علاقتها مع الحد الشمالي للمبنى

الشبكة المنتظمة
في المسقط الأفقي الذي أعده ميز للنشر في كتاب بليزر، تظهر شبكة منتظمة طول وعرض تربيعاتها متر واحد، تغطي كامل المسقط الأفقي والمصطبة الخارجية وتحدد مواضع الحوائط. بالتناقض مع ذلك، يظهر مسقط تقطيع أحجار الأرضية المحفوظ في أرشيف ميز، أن التربيعة المنتظمة غير صحيحة، بشكل يجعل مسقط بليزر يبدو كما لو كان مراجعة لتحسين التصميم الأصلي الذي تم تنفيذه. بدون شك تظهر التربيعة المنتطمة في أعمال أخرى لميز كما في معهد إلينوي للتكنولوجيا، لكن على العكس من ذلك رأي سولامورالس تلك الفروقات في حالة جناج برشلونة كما لو كانت “تنويعات في إيقاع الموسيقا الداخلية للتصميم”. يظهر ذلك في المقاعد الحجرية المواجهة للبركة الأمامية الكبيرة، والتي تختلف تقطيعاتها وتقطيعات المساند التي تحملها عن تقطيعات أحجار الترافرتين في الأرضية. تبدو المقاعد الحجرية بالفعل كما لو كانت طافية بشكل مستقل عن الشبكة التي تنتظم سائر المسقط الأفقي.

Josep Brangulí 1929 - Alfonsa XIII

صورة للملك الأسباني ألفونسو الثالث عشر مع أحد مرافقيه أثناء افتتاح جناح برشلونة عام 1929، يظهر فيها عدم تناسق فواصل الأرضية مع دعامات المقاعد الحجرية على يسار الصورة. الصورة من تصوير جوزيب برانغولي

الأعمدة
يتلافى المنطق الإنشائي لجناح برشلونة فطنة المراقب في ثلاثة أمور. تبدو الأعمدة كما لو كانت الوسيلة التي فصل بها ميز بين ما هو إنشائي وما يختص بالتقسيم الفضائي، متبعاً في ذلك مبدأ الفضاء الحرّ الذي اعتمده لوكوربيزييه قبل ذلك بخمسة عشر عاماً. إلا أن الأعمدة وحدها لم تكن لتكفي لحمل السقف، لذا عمد ميز لإخفاء أعمدة إضافية داخل الحوائط. بيد أن واقع الحال، هو أن الأعمدة المخفية تم وضعها عمداً بالقرب من الأعمدة الحرّة بالقدر الذي يسمح للأولى بامتصاص الأحمال الواقعة على عاتق الأخيرة. فضلاً عن أن المسقط الصليبي للعمود لم يكن الأكفأ في هذا الصدد، ولو كان الإنشاء هو شاغل ميز الأساسي لكان حري به استبداله بعمود آخر أكثر جساءة.
تظهر صور جناح برشلونه أثناء بنائه هيكلاً إنشائياً معقّداً يتألف من ألواح فولاذية ممصملة وجسور دعم اختفت بعد ذلك داخل الحوائط أو خلف السقف. أخذ الأمر ثلاثين عاماً كاملة من تقدم تقنيات الإنشاء لكي يتمكن ميز من إظهار تفاصيل الإنشاء لاحقاً في بيت فارنزورث. تجاهل كثير ممن كتبوا عن المبنى طبيعته الإنشائية غير السوية، برغم تعارضها البيّن مع إدعاءات ميز عن البساطة والصراحة الإنشائية. يقول هلبرزهايمر أن عمارة ميز فان دير روه تميزت بوضوح الإنشاء فهو “سيد التقنيات النظيفة”.

Barcelona - Construction

صورة أثناء إنشاء جناح برشلونة تعود للعام 1929، يظهر فيها الهيكل المعدني للسقف – لم يتسن التوصل لمصدر الصورة

على النقيض رأي فرانك لويد رايت ضرورة أن يتخلص ميز من هذه الأعمدة السخيفة. لم يستخدم ميز أي أعمدة في تصميمه بيت الطوب الريفي في العام 1922، لم إذن ظهرت الأعمدة في تصميمه لجناح برشلونة إن لم تكن تلك الأعمدة ضرورية للإنشاء؟ يقترح فرانز شولتسه أن وظيفة الأعمدة في جناح برشلونة لم تكن إنشائية بقدر ما كانت تعبيراً عن نمط منتظم من الإنشاء. في معرض وصفه لواجهة بناية ليك شور درايف، التي صممها ميز بعد ذلك بعقدين من الزمان، يقول شولتسه “للواجهة مظهر إنشائي أخّاذ، حتى وإن لم تكن إنشائية في حد ذاتها. تماماً كما هو الحال مع ميز، الذي يبدو دائماً متسقاً مع ذاته، حتى وإن لم يكن فعلياً كذلك.” إلا أن الأعمدة أيضاً تقوم بوظائف أخرى أكثر من مجرد التعبير عن نمطٍ معينٍ من الإنشاء، فهي تحدد حيز الاستخدام الاحتفالي للجناح الأصلي، كما تقر شكلاً من أشكال التنظيم السيمتري كان الفضاء سيظل سائباً بدونه.
كان ميز سيد التناقضات، وربما يفسر ذلك تناقض الروايات التي تحاول تفسير أعماله. يذكر تيغتهوف على لسان ميز أن برلاخه لم يكن ليقبل بأي شيء زائف. “فلا ينبغي بناء ما لا وظيفة إنشائية له. بناية بورز الشهيرة في أمستردام تبدو قروسطية دون أن تكون فعلاً كذلك. استخدم برلاخه الطوب بنفس الطريقة التي استخدمه بها بناؤو القرون الوسطى.” على النقيض لم يأتي جناح برشلونة على درجة مساوية من الوضوح الإنشائي.

يتبع،،،
إضغط هنا لقراءة الجزء الثاني والأخير

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s