جناح برشلونة: الحقيقي والمتخيّل
(الجزء الثاني)
كلير نيوتن
نُشر هذا النص للمرة الأولى بالإنكليزية ضمن أعمال الدورة الحادية والتسعين للمؤتمر العالمي لرابطة كليات العمارة ACSA بهلسنكي في تموز 2003


خرائط القطاع
لا توجد خريطة أصلية لقطاع جناح برشلونة. أحد التفسيرات تشير إلى أن القطاع سوف يظهر كثيراً مما لا يظهر في المساقط الأفقية. واقع الحال، أنه إذا ما رُسم القطاع فعلاً سيزول انطباعنا عن المبنى كمجموعة من المسطحات الأفقية الطافية في الهواء، وستظهر تفاصيل الإنشاء الثقيل التي تتناقض مع صورة ذهنية عن مبنىً تربطه ثمانية أعمدة خفيفة إلى المصطبة الحجرية كي لا يطير من فرط خفته. تظهر الصور التي أخذت أثناء إنشاء المبنى في العام 1929 جسور دعم ثقيلة تختفي داخل جسم السقف، وتقل سماكتها بالقرب من الحواف الظاهرة لعدسات المصورين التي تظهر سقفاً رشيقاً من الخارج. أي قطاع للمبنى سوف يظهر قاعدة حجرية عريضة يحملها صف من الأقبية الكتلونية تحمل بدورها هيكلاً ضخماً من الصلب.

Barcelona - Vaults db5641198a3aaff42e839fd06d2e946c

صورة أثناء جناح برشلونة تعود للعام 1929، تظهر فيها أساسات المبنى التي تتكون من صفيّن من الأقبية الكتالونية التقليدية – لم يتسن التوصل لمصدر الصورة

أول خريطة لقطاعٍ في جناح برشلونة تعود إلى شخص يدعى روغنبرغ، كان قد عمل مع ميز على البناء الأصلي وكرّس نفسه لاحقاً لعدد من السنوات في محاولة لتذليل العقبات التقنية التي واجهها في إنشاء المبنى. إلا أن قطاع روغنبرغ الذي رُسم بعد هدم المبنى الأصلي، جاء قطاعاً مثالياً لا يعكس واقع الإنشاء في جناح برشلونة. في تجلٍ لأحد المشاكل المتواترة في دراسة تاريخ توثيق المبنى والكتابة عنه، ألا وهي أن الرسومات والوثائق التفسيرية التي تم كتابتها بأثرٍ رجعي عادة ما يتم التعامل معها كوثائقٍ أصلية.

تفادي الوصلات
دفع ميز بتحرير علاقة السقف بالحوائط بالإبقاء على الحوائط أقصر بمسافة سنتيمتراً واحداً أسفل السقف. فعمد إلى إخفاء موضع أي اتصال محتمل بين السقف والحوائط، وموّه وصلات الفولاذ الممصمل في الشق الضيق بين السقف والحائط بحيث لا يمكن رؤيتها.
منذ إنشائه وُصف المبنى باستخدامه مواداً حديثة وتقنيات إنشاء متقدمة. بينما تُظهر الصور الفوتوغرافية من زمن الإنشاء هيكلاً عشوائياً من الصلب ومصطبة حجرية تم إنشاؤها فوق عقود كتلونية تقليدية من قوالب الطوب الرفيع. ما كان جديداً لم يكن المواد أو التقنيات بقدر ما كان الطرق التي تم بها إخفاء الوصلات.

الرسومات الأولى
الرسومات المنظورية الأولى للمبنى والتي بقيت إلى اليوم تستخدم السيمترية وعكسها بطرق مختلفة. تختفي الأعمدة في بعض الاسكتشات، وتظهر الحوائط حاملة للسقف عوضاً عن الأعمدة، كما يظهر أحدها ستة أعمدة بدلاً من ثمانية. تظهر الرسومات الأولى أيضاً ثلاثة مواضع مقترحة لتماثيل مختلفة، و يمكن للمرء أن يتخيل حجم الصعوبات المادية المتعلقة بكلفة تنفيذ ونقل تلك التماثيل والتي قُلّص عددها عند التنفيذ إلى واحدٍ فقط.

German Pavilion - International Exposition - Barcelona - 1928-29

سكتش منظوري من إنتاج ميز فان دير روه يعود للعام 1928، تختلف فيه تفاصيل التصميم عما تم تنفيذه من حيث شكل المنحوتة في البركة الخلفية وموضع العمود المعدني وشكل الحوائط الرخامية – الصورة ضمن مجموعة متحف الفن المعاصر بنيويورك

تظهر المناظير الأولى أيضاً مسطحات رأسية تنزلق بين السقف والأرضية، بينما تظهر المصطبة كمستوىً أفقي مصطنع يطفو فوق تضاريس الموقع المنحدر. تظهر هذه الاسكتشات الدرج الصاعد إلى المصطبة متعامداً على واجهة المبنى بينما تم تطويره لاحقاً في النسخة المنفّذة ليصبح موازياً للواجهة صاعداً باتجاه الباحة الأمامية للمبنى.
يظهر كثير من العناصر الواردة في التصميم النهائي في المخطط المنشور عام 1928. ما لم يكن قد تم حسمه بعد في هذا المخطط هو موقع البركة الأمامية الكبيرة وحجم المكتب الملحق بالجناح وشكل جوانب المصطبة.

أثاث مفقود
الأثاث هو مكون أساسي في جناح برشلونة كما في عديد من المباني التي صممها ميز. صمم ميز كرسي برشلونة الشهير ليجلس عليه ملك وملكة أسبانيا أثناء مراسم الافتتاح الرسمي. زوج الكراسي، العنصر الأساسي في مراسم الافتتاح، لم يكن جزءاً من المسقط الأفقي الأصلي، إلا أن ظهوره في الصور لاحقاً قد أسهم دون شك في شهرة المبنى. تظهر الصور تغييرات عدة على مواضع الأثاث فيما عدا ثلاث قطع هي زوج من كرسي برشلونة والطاولة المجاورة له وطاولة ثالثة تقع إلى جانب الحائط المضيء ربما كانت تستخدم لتقديم كؤوس الشمبانيا.
بعض قطع الأثاث اختفت في النسخة الجديدة للمبنى، غابت عن التصميم الأصلي طاولتين من الترافرتين قررت شركة كنول المتعهدة لتصنيع أثاث جناح برشلونة بعدم إمكانية إعادة تصنيعهم دون تغيير في التصميم الأصلي لجعلهما أكثر ثباتاً، ما دفع الفريق المعماري المسؤول عن إعادة البناء إلى إزالة الطاولتين من التصميم.

أين السجادة؟
احتوى المسقط الذي نشره فرنر بليزر في العام 1964 على قطع الأثاث ما جعل تقدير حجم المبنى مهمى أيسر على من لم يعاينوه. تم رسم المسقط بعلم وموافقة ميز فان دير روه، إلا أنه وللغرابة كان الأثاث موضوعاً دون تنسيق كاف. إذا وضعنا السجادة الأصلية لوقع الكرسيين خارج حدودها. اختار بليزر (وربما ميز؟) أن يزيل السجادة من هذه النسخة من المسقط الأفقي برغم احتوائها على سائر قطع الأثاث الأخرى. يخبرنا كتغلاس أن السجادة كان لها تأثير مدهش على زوار المبنى عند افتتاحه “فكلهم وقفوا خارجها، لم يجرؤ أحدٌ على الخطو عليها.” هل رأى بليزر أن السجادة كمربع كبير في الوسط سوف تثقل المركز البصري للمسقط الأفقي؟

أبواب مفقودة
ظهرت أبواب جناح برشلونة على المسقط الأفقي للرسومات التنفيذية، لكنها لم تظهر على أي من المسقطين الشهيرين في 1929 و1965. لا شك أن المبنى الأصلي كان له أبواب، صممت بحيث يتم إزالتها أو إعادتها بحسب الحاجة. وبرغم ندرة العثور عليهم في الصور الفوتوغرافية الأصلية، إلا أن العين لن تخطئ الإطار المعدني الخارجي للأبواب حتى في الصور التي التقطت بعد إزالتها. تناقلت الأجيال أسطورة إزالة الأبواب وإرجاعها كل يوم قبل وبعد ساعات عمل الجناح، ما احتاج طاقماً من العمال الأقوياء. أبواب النسخة الجديدة من المبنى ثابتة لا تزال، ولا يمكن رؤية جناح برشلونة اليوم بدون الأبواب بخلاف النسخة الأصلية.

berliner-bild-bericht-deutscher-pavillon-weltausstellung-barcelona-1929-vintage-hand-tinted-gelatin-silver-print-11-9-x-23-cm-agency-and-prestel-verlag-stamps-as-well-as-annotat

صورة تعود لصحيفة البرلينر بيلد من العام 1929، يظهر فيها مبنى الجناح مفتوحاً دون أبواب

محدّدات براغماتية لاستدامة المبنى
لم يصمّم جناح برشلونة في نسخته الأصلية لكي يبقى كمنشأ دائم. غُطي السقف بشرائح من الصوف المقطرن للإبقاء على وزنه في الحدود المحتملة قدر الإمكان، وعُلّق السقف الداخلي على الهيكل المعدني للسقف من أسفل، وتمت تغطيته بالشبك الممدد والجبس ثم تم طلاؤه باللون الأبيض. كان المبنى ليغرق في مياه الأمطار عند أول شتاء. جاء الحل البدائي لعزل السقف في جانب منه نتيجة لمؤقتية المعرض الذي كان الجناح جزءاً منه وفي جانب آخر نتيجة تواضع الإمكانات التقنية في حينه. ينبغي أن نتذكر دائماً أن أطروحة السقف الأفقي المحمول على أعمدة رفيعة من الصلب كانت حينها لا تزال، وستظل لعقود تالية، قيد العمل والتطوير في مكتب ميز فان دير روه. “تم تطوير نظام معقد من الكوابيل والمفصلات لتخفيف عزم الانحناء وتقوية الهيكل المعدني للسقف. إلا أنه وبالرغم من تلك الجهود لم تكن الأعمدة الثمانية كافية لحمل السقف ما دفعنا لإضافة خمسة أعمدة أخرى اختفت بين شطري الحوائط الرخامية حول محيط المبنى”
اكتمل إنشاء المبنى الأصلي على عجل في غضون ثلاثة أشهر، بينما استغرق إنشاء النسخة الثانية من المبنى ما يناهز ثلاث سنوات بسبب استبدال السقف المعدني الوارد في التصميم الأصلي بسقف من الباطون. ضمن الشروحات التعليلية الوافية التي أوردها الفريق المعماري ضمن عملية التوثيق، يأسف سرسيسي على أنه لم يكن من الممكن تنفيذ السقف دون إجهاد مسبق، ما جعل بلاطة السقف مسبقة الإجهاد أكثر سمكاً عن التصميم الأصلي للإبقاء على عزم انحناء صفري.
تشمل التغييرات استخدام صلبٍ عالي الصقل عوضاً عن الكروم في الأعمدة، كذلك الحال مع الأرضيات والتي تم تبليطها بنوع آخر من الترافرتين أكثر صلادة. أيضاً لحقت التغييرات بميول الأرضية لسهولة تصريف مياه الأمطار، كما أن طرق تركيب الرخام على الحوائط قد تم استبدالها بطرق أخري حديثة أكثر عملانية. نلاحظ أيضاً أن قطاعات الصلب التي تم استخدامها للأعمدة كانت من عيار 10 مم بينما تفيد الحفريات أسفل المبنى الأصلي بأن ميز فان دير روه استخدم قطاعات من عيار 8 مم في النسخة الأصلية. أمّا عن رخام الأونكس الفريد الذي تم استخدامه في النسخة الأصلية من المبنى، فقد وثّق سولاموراليس عملية البحث عن نوع شديد الشبه به لاستحالة العثور على مثيله.
ينوّه تيغتهوف على أن ميز كان قد استخدم زجاجاً أخضراً عالي الشفافية للفصل بين البركة الخلفية والفضاء الاحتفالي للمبنى مقارنة بالزجاج المستخدم في النسخة الثانية. أسهم اختلاف تقنيات تصنيع الزجاج في عصرنا الحالي إلى حد كبير في تحجيم التنوع الممكن في شفافية الزجاج. إذ سمح التصنيع اليدوي بإنتاج أنواع من الزجاج عالي الشفافية لا يمكن إنتاجها بالتقنيات الصناعية المعمول بها حالياً. وبينما كان اللجوء للتصنيع اليدوي مرة أخرى أمراً مطروحاً، كانت كلفته الباهظة ستثقل ميزانية المشروع، ما أخرجه من حسبان الفريق المعماري.

جناح برشلونة ومحيطه المكاني
أحد أكثر التعارضات بين النسخة الأصلية لجناح برشلونة في 1929 ونسخته الجديدة في 1986، هو السياق الذي تغيّر. عادة ما اختفت المباني المحيطة من الصور التي وثقت للجناح الأصلي، إما بإزالتها عن طريق القص والتأطير بعناية، أو بإخفائها من الصورة باستخدام رذاذ الصباغة الذي كان يُستخدم قديماً لتعديل الصور.
نشر خوان بابلو بونتا صورة قديمة لجناح برشلونة تظهر فيها بناية مجاورة وقد تم إزالتها من الصورة. يشترك الفريق المعماري الذي عمل على إعادة البناء مع جوزيب كتغلاس في اعتقاده بأن السياق كان مهماً لفهم تصميم الجناح. ربما كان أحد أهم إسهامات كتغلاس هو استنتاجاته بشأن الخلفية المسرحية لجناح برشلونة.

6

صورة لجناح برشلونة أثناء الإنشاء تعود للعام 1929، يظهر فيها صق من الأعمدة الأيونية في خلفية موقع البناء

الموقع الأصلي الذي قدمته إدارة المعرض لميز كان مجاوراً لجناح فرنسا، إلا أن ميز اختار موقعاً آخر يقع خلف صفٍ من الأعمدة الأيونية كان قد أنشأه المعماري الكتلوني بودج إي كدافال في 1923 ليحدد به المحور المركزي للمعرض. يعتقد كتغلاس أن لتلك الأعمدة تأثيرٌ دراميٌ بالغٌ على زوار المعرض للمرة الأولى، إذ كانت تلك الأعمدة بمثابة خلفية مسرحية للمبنى ومايجري فيه وحوله. عند سؤاله حول مدى تأثير الأعمدة على التصميم، لم يعط سرسيسي جواباً أكيداً، إلا أنه عبّر عن راحته بأن بناية مجاورة ضخمة تم إزالتها بالقرب من موقع الجناح، بما سيسمح لزواره باستعادة التجربة الأصلية.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s