المدينة الاعتيادية
(الجزء الأول)
ريم كولهاس
نُشر هذا النص للمرة الأولى بالإنكليزية ضمن كتاب S,M,L,XL للمؤلف نفسه، في تشرين أول 1995


1-مقدمة

هل المدينة المعاصرة مثل المطارات المعاصرة، كلها على ذات الشاكلة؟ كيف يمكننا أن نفهم ذلك التشابه؟ وإذا كان الأمر كذلك، إلى أي نسق أكبر يطمح هذا التشابه؟ لا يمكن لهذا التشابه أن يكون ممكناً إلا على حساب الهوية، ما يُرى عادةً كخسارة. إلا أنه على اتساع مدى تلك الخسارة، لابد أن يكون وراءها شيءٌ ما. ما هي مضار الهوية، وبالمقابل، ما هي فوائد طمسها؟ ماذا لو كان ذلك التجانس الطارئ عملية قصدية، حراكٌ واعٍ نحو مدن تشبه بعضها؟ ماذا لو كنّا نشهد حركة أممية للتحرّر، يهتف نشطاؤها “فلتسقط الخصوصية الثقافية!” ماذا يتبقى لنا بعد أن ننزع الهوية عن كل شيء؟ الاعتيادي؟

Nick Frank - Concrete Living

مجموعة من البنايات السكنية في هونغ كونغ، الصورة بواسطة نيك فرانك من عمل فني بعنوان الحياة الصلبة Concrete Living 

إن استلهام الهوية حصراً من المادي والتاريخي؛ من المحايث والواقعي، يجعلنا عاجزين عن تخيّل أي إسهام للمعاصر، ذلك الذي نصنعه بأيدينا، في صياغتها. إلا أن المنحنى المتصاعد لتنامي أعداد البشر يؤذن بأن الماضي سوف يصبح “صغيراً” جداً بحيث يستحيل أن يتشاركه أو يعيش فيه من هم على قيد الحياة. نحن، بمجرد وجودنا، بالفعل نقضي على الماضي، إلى الحد الذي سوف تقفز عنده أعداد البشر المتوقعة فوق كل احتمال لاستهلاك ما هو متاح من تاريخ سابق. الهوية، كشكل من أشكال تشارك الماضي، هي قضية خاسرة. فباعتماد معدلٍ ثابتٍ للزيادة السكّانية ليس فقط ما نملك مشاركته من التاريخ سوف يصبح غير كافٍ، بل إن التاريخ ذاته لن يكون ذا معنى. فللتاريخ عمر نصفي متسارع، كلما أفرطنا في ذكره، تنعدم قيمته، إلى الحد الذي تصبح عنده معاينة ما هو متبقٍ منه وصمة على جبين من يملكونه. يتفاقم هذا الترقّق في ظل طوفان متعاظم من السياح يجرف كل هوية ممكنة في مسعاه الأبدي نحو تسليع الخصوصية الثقافية.

الهوية هي مصيدة فئران، يتصارع فيها المزيد والمزيد من الفئران على ذات الطُعم، غافلين عن أنه قد التُهم بالفعل منذ قرون. كلما ازدادت قوة الهوية ازدادت قدرتها على الحصار والسَجن، وكلما ازدادت مقاومتها للتمدد وإعادة التأويل والتجدّد واستيعاب التناقض. تتحول الهوية مع الزمن إلى فنار، ثابت وتام التمركز، يمكن أن يتغير موقعه أو شكل الضوء المنبعث منه لكن فقط على حساب تخبّط الملاحة. باريس يمكنها فقط أن تكون أكثر باريسية. واقع الحال، أنها نسخة مبالغة من نفسها بالفعل، كاريكاتور ملمّع. بعكس لندن، التي تتخذ وحدها اللا-هوية كهوية وحيدة. لندن تتحوّل دائماً إلى ما لا يشبهها، وكلما تخلصّت من تشبهّها بنفسها كانت أكثر انفتاحاً وأقل جموداً.

الهوية تُمَركز، تؤكد على حضور جوهرٍ أصلي، نقطة بدء. مأساة الهوية يمكن فهمها بمجاز هندسي بسيط.  ككرة كلما تعاظم حجمها وتأثيرها فيما حولها، تضاعف خواء باطنها في مسعىً بائس لمواكبة تعاظم تأثير الكرة، ما ينزع عنها سلطتها بشكل مستمر. تتسع المسافة بين مركز الكرة ومحيطها إلى نقطة ينتهي عندها وجود الكرة. في هذا السياق، يأتي الاكتشاف المتأخر لأطراف الكرة كمنطقة ذات قيمة محتملة – كاكتشافٍ آتٍ من خارج سياق مركزية التاريخ الأوروبي جديرٍ بالاهتمام المعماري –  كإصرار متخفٍ على محورية المركز وتبعية أطرافه له. منطق الكرة يقضي بأنه لولا المركز لم تكن لتوجد الأطراف. بشكل مستمر، يغذي الاهتمام الثقافي بالأطراف خواء المركز. جاءت الأطراف للوجود يتيمة فكرياً، إلا أن يُتمها يتفاقم ببقاء الأم على قيد الحياة. تلك الأم التي تسرق الأنظار، وتعود لتؤكد على تقصير الأبناء وفشلهم في غيابها. الرسائل الأخيرة القادمة من المركز المنهك تعرقل قراءتنا للأطراف ككتلة حرجة. فالمركز على صغر حجمه تعريفاً، ليس فقط صغيراً جداً بما يمنعه من الوفاء بالتزاماته، بل هو أيضاً غير موجود كمركز حقيقي. المركز هو محض تضخيم لسراب زائل، حال وجوده الوهمي دون إسباغ صفة الحقيقة على ما سواه. تسم مانهاتن أولئك الذين يحتاجون إلى وسائل مواصلات للوصول إلى أشغالهم باسم “شعب الجسر والنفق” – في إشارة إلى استخدامهم نفق وجسر بروكلين للوصول إلى جزيرة مانهاتن – كما تموّل البنية الأساسية من أموال ضرائبهم. التكريس المعاصر للمركز يجعلنا جميعاً كشعب الجسر والنفق، مواطنون من الدرجة الثانية في أوطاننا، محرومون بفعل المصادفة الغبية لمنفانا الاختياري بعيداً عن المركز.

في تربيتنا المركزية –  قضى الكاتب سنوات شبابه في أمستردام، وهي مدينة شديدة المركزية –  تتحول مركزية وسط المدينة التاريخي، كمحلٍ للقيمة والمعنى  ومحطٍ أوحد للاهتمام، إلى قوةٍ مزدوجة التدمير. فالتضخم المستمر لنفوذ المركز التاريخي لا يجهده فوق كل احتمال وحسب، بل يضعه في سباق مستمر من الصيانة والتحديث كي يظل متقدماً على الأطراف الأحدث نسبياً.  بوصفه المكان الأهم، يظل المركز مطالباً بأن يكون الأقدم والأكثر ثباتاً وأصالةً وفي الوقت ذاته الأحدث والأكثر تقدماً وديناميكية. بشكل مستمر يمر المركز بأشد أنواع التحوّلات وأكثرها جذرية ليتم لاحقاً تعقيدها وتسويتها معاً كي تبقى غير ملاحظة للعين المجرّدة. توصّلت مدينة زيورخ إلى أكثر الحلول راديكالية وكلفة في هذا الشأن باختراعها لنوعٍ فريدٍ من الأركيولوجيا العكسية، تتراص فيه مراكز التسوق ومواقف السيارات والبنوك والمعامل في طبقات تحت مركز المدينة. لا يتوسّع المركز هنا للخارج أو لأعلى وإنما يتوسع لأسفل باتجاه باطن الأرض. في منظومة واحدة تتراص ممارسات عديدة تتراوح من فتح طرق ووصلات وأنفاق تحت الأرض وإنشاء المزيد من التقاطعات المماسية  إلى تحويل المباني السكنية إلى إدارية والمخازن إلى مساكن فاخرة والكنائس المهجورة إلى ملاهٍ ليلية؛ وتتراوح من الإفلاسات المتتابعة والبدايات الجديدة في مجمعات أفخم للتسوق إلى التحويل المستمر للفضاءات الخدمية إلى فضاءات عامة وشوارع السيارات لشوارع للمشاة وافتتاح المزيد من الحدائق العامة. تهدف كل تلك الممارسات إلى الكشف والترقيع والزرع لاستعادة الضحالة التاريخية وإفراغ الواقع بشكل متواصل.

ShopVille - Zurich

يتطلب التسوق في مجمع شوبفيل التجاري بزيورخ النزول لثمان طوابق أسفل محطة القطارات المركزية بوسط المدينة. الصورة بواسطة: وكالة كيستون

في المقابل من هذا، المدينة الاعتيادية هي مدينة منعتقة من أسر المركز، تقف خارج قفص الهوية. تكسر المدينة الاعتيادية حلقة التبعية المدمرة بين المركز والأطراف، هي تعبير عن لا شيء سوى احتياجات الحاضر و إمكاناته. هي مدينة بلا تاريخ، كبيرة بما يكفي للجميع. بسيطة ولا تحتاج لصيانة. إذا ضاقت بمن فيها توسعت، وإذا أصبحت عتيقة دمّرت نفسها ذاتياً. هي مثيرة للاهتمام والضجر بنفس القدر في كل نواحيها. هي سطحية مثل ستوديوهات هوليوود، تنتج لنفسها هوية جديدة صباح كل اثنين.

2- إحصائيات

تضخمت المدن الاعتيادية بشكل كبير خلال العقود القليلة الماضية. لم تتضخم فقط في حجمها، بل وفي أعدادها أيضاً. في أوائل السبعينات سكنها رسمياً قرابة 2،5 مليون نسمة  (وحوالى نصف مليون نسمة بشكل غير رسمي) بينما يقارب تعداد سكانها الآن – نُشر النص عام 1995: المترجم – علامة 15 مليون نسمة. هل بدأت المدينة الاعتيادية في أمريكا؟ هل تجعلها سطحيتها البالغة مادة لا تصلح إلا للاستيراد؟ في أي الأحوال، تتواجد المدينة الاعتيادية الآن في آسيا وأوروبا وأستراليا وأفريقيا. الارتحال النهائي بعيداً عن الريف والزراعة، ليس ارتحالاً باتجاه المدينة كما نعرفها، وإنما هو ارتحال باتجاه مدينة اعتيادية شديدة الضخامة حتى أنها صارت هي البلد بأكملها. بعض القارات كآسيا تطمح أن تتحول كلها إلى مدينة اعتيادية، بينما تخجل قارات أخرى من ذلك المصير. ربما لوقوع معظم نماذج المدن الاعتيادية بالقرب من المناطق المدارية في آسيا، يجد سكانها من الأوروبيون أنفسهم على حافة التناقض: الأوروبي المألوف يسكن الآسيوي الغامض. ربما في يوم ما، سيعود ذلك المنتج المرفوض للحضارة الغربية إلى الواجهة مرة أخرى عبر  المراجعات التي ستأتي إثر انتشاره المحتوم. في بعض الأحيان يمكن لمدن قديمة فريدة مثل برشلونة أن تتحول إلى مدينة اعتيادية بتبسيط طابعها، شفافة كشعار ما، إلا أن العكس مستحيل، على الأقل ليس الآن.

3-عام

المدينة الاعتيادية هي ما يتبقى من المدينة بعد رحيل كثيرٍ من أنشطة الحياة الحضرية إلى الفضاء السيبري. هي مكان للأحاسيس الخافتة والمتباعدة، غامضة وكتومة كفضاء كبير يضيئ ظلامه  قنديل صغير بجانب الفراش. في مقابل المدينة الكلاسيكية، المدينة الاعتيادية “هادئة”، تُرى دائماً من وضع الجلوس. وبدلاً من التركيز ، تُباعد المدينة الاعتيادية بين لحظات الإثارة لتخلق بينها مساحات غافية من التجارب الجمالية غير الملحوظة كتنويعات ألوان أضواء الفلورسنت في بناية مكاتب قبل الغروب أو اختلافات درجات الأبيض في لوحة إعلانات مضاءة ليلاً. كالطعام الياباني، الحس في المدينة الاعتيادية يتم دائماً إعادة تركيبه وتكثيفه في الدماغ، وحين الحاجة يمكن ببساطة تجاهله. هناك اختيار. هذا الغياب التام للإصرار والعجلة له مفعول المخدر القوي، يحيل ما هو عادي إلى هلاوس. في انقلاب عنيف على ما يفترض أنه الخاصية الأساسية للمدينة، أي الحركة الدؤوبة والانخراط في العمل، الاحساس المخيّم على المدينة الاعتيادية هو الهدوء الغريب، وكلما ازداد هدوءها كانت أقرب إلى حالة النقاء. تخاطب المدينة الاعتيادية شروراً عادة ما كانت تنسب إلى المدينة التقليدية، قبل أن يصبح حبّنا لها غير مشروط. تتحقق سكينة المدينة الاعتيادية عبر إخلاء المجال العام، كما لو أننا في تدريب على مكافحة الحريق. المسطح الحضري يتسع فقط للحركة الضرورية، حركة السيارات. الطرق السريعة هي النسخ الأبهى من البولفارات والساحات التاريخية. تتنامى الطرق السريعة لتحتل جزءاً أكبر من فضاء المدينة، وبالرغم من أن تصميمها يبدو كما لو كان وظيفياً بالأساس ويتعلق بكفاءة الحركة المرورية، إلا أنها في واقع الحال تنطوي على شكل من المتعة الحسيّة كذلك: تذرّع وظيفي يدلف بنا إلى عوالم الحسّ الملساء. الجديد في هذا المجال العام السيّار أنه لا يمكن قياسه بالأبعاد التقليدية. فنفس الأميال العشرة يمكن أن يختبر بعدد لا نهائي من الطرق. فتلك الأميال العشرة يمكنك أن تقطعها في خمس دقائق أو أربعين دقيقة، ويمكنك مشاركتها مع لا أحد أو مع كل سكان مدينتك على السواء، يمكنها أن تعطيك لذة السرعة الخالصة التي لم تمسها قوانين السير، ويمكنها أن تقبع على صدرك كنوبات من رهاب الأماكن المغلقة تعاني فيها ملل الازحام والتوقف المتكرر. المدينة الاعتيادية هي مدينة فركتالية، تكرار لا نهائي لنفس الوحدة الإنشائية، يمكنك أن تعيد إنشائها من أبسط عناصها، جهاز حاسوب أو ربما قرص ذاكرة ممغنط. بخلاف ذلك، كا ما عداها هو ملاعب للغولف. للمدينة المدينة الاعتيادية أرقام هاتف سهلة، لا تتكون من عشر أعداد ولا تحتاج لتمارين ذهنية كي تستذكرها كما هو الحال في المدينة التقليدية، فأعدادها الوسطى متطابقة على سبيل المثال. عنصر جذبها الوحيد هو التحلل المجتمعي.

يتبع,,,

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s